إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 06 أبريل 2018 - 20 رجب 1439هـ

هل لابُدَّ لتحقيق المُعَايَشَة أن نُكَذِّبَ القرآن؟!

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أكبر المشكلات التي تواجِه المجتمعات منذ قديم الزمان: اختلافُ الْمِلَل والديانات داخل المجتمع الواحد الذي يحتاج إلى التعايش بيْن طوائفه رغم اختلافهم في أديانهم، وقد وَاجَهَ المسلمون هذه الإشكالية في مَكَّة قبْل الهجرة، وفي الحبشة حيث هاجروا إليها فرارًا بدينهم مِن طغيان المشركين مِن قريش وتعذيبهم وقتلهم المسلمين، ثم في المدينة بعد الهجرة؛ إذ وُجِد في المجتمع المسلم والدولة المسلمة المشركون واليهود، بطوائفهم إلى جانب المسلمين.

وقد تعامل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مع هذه الإشكالية بطريقة غاية في الوضوح، في جميع الأوقات والأحوال والمجتمعات، وهي الحفاظ التام على هوية المسلمين وعقيدتهم ودينهم المبني على الوحي المنزل -كتابًا وسُنَّةً-، والذي كان ينزل بالأدلة القاطعة الواضحة التي تتناول قضايا الاعتقاد والمنهج والعبادة والسلوك والأخلاق، والتي تخالف قطعًا ما عليه المشركون وعباد الأوثان، والذين كفروا مِن أهل الكتاب مِن اليهود في المدينة ثم مِن النصارى في جنوب الجزيرة العربية في نجران بعد ذلك، وفي نفس الوقت أرسى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قيمة التعايش مع أهل هذه الملل في المراحل المختلفة بأنواعٍ متعددةٍ واسعةٍ مِن العهود والمواثيق التي تسمح بالتعايش داخل المجتمع الواحد، أولها كان وثيقة المدينة التي كانت تُمَثِّل العهد المطلق، ثم صلح الحديبية الذي يمثِّل الهُدْنة المُؤَقَّتَة، ثم عقد الذمة المُؤَبَّد الذي عقده مع مَجُوسِ هَجَر ونَصارى نَجْران.

وكان النوع الأول الذي عقده النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو أكثر العهود استعمالًا في العهد النبوي، كما قرر ذلك ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ- في "حقوق أهل الذمة"، وكان الأخير -أعني عَقْدَ الذمة- أكثر العقود استعمالًا بعده -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خصوصًا في عهود الفتوحات الإسلامية وتأسيس الدولة مترامية الأطراف، ولم يَخْلُ ذلك مِن انتقالٍ مستمرٍ بيْن جميع الطوائف داخل البلاد المختلفة مِن خلال سلسلةٍ مِن عقود الأمان.

ولم يحدث قَطّ -عبْر الزمان- ما يحاوله البعض في زماننا، لكي يعالج -بزعمه!- ضيقَ أُفُقِ طائفةٍ منحرفةٍ كَفَّرَت المسلمين وانتهكت حقوق المعاهدين وقتلت مِن هؤلاء وهؤلاء؛ ما أفسد على المجتمع مَصَالِحَه - لم يحدث قَطّ أن كان العلاج هو محاولة الوصول إلى تَوافُقٍ عَقَدِيٍّ أو ديني بادعاء وحدة الأديان أو إلغاء مصطلحات: "الكافر، والكفر، والنفاق، والردة" ونحوها!

ونصوص القرآن قاطِعَة لا تحتمل التأويل في كُفْرِ مَن خَالَف دين الإسلام: قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران:19)، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (رواه مسلم)، ولا يَحتمل أبدًا أن يُحْمَل هذا على المعنى العام للإسلام الذي هو دين الأنبياء جميعًا، بل لابد أن يُحمل على الاسم العَلَم لهذا الدين وهذه الشريعة التي بُعِثَ بها محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بلا نزاعٍ بين العلماء، حتى لو حُمِل على المعنى العام فأساس الأديان كلهم توحيد الله واتباع وتصديق الرسل؛ فمَن أشرك بالله وعَبَد غيرَه أو قال عن مخلوق إنه هو الله! فلا نزاع أنه كافرٌ بجميع الأنبياء، وكذا مَن كذب بِنَبِيٍّ مِن الأنبياء فقد كذب جميعَ الأنبياء والرسل، فكيف بمَن كذب خاتمهم محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟! مَن كذبه فقد كذب الله، قال -تعالى-: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (الفتح:29)، ومَن كذب الله لا يكون مؤمنًا به عند أحد الرسل والأنبياء، بل والعقلاء! قال -تعالى-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)، في موضعين مِن القرآن: (المائدة:17)، (المائدة:72).

ومستحيلٌ أن يُسَلَّطَ على هذه القواطع سيف التأويل، كمَن يقول: "نقتصر على اللفظ فقط؛ فمَن قال: إن المسيح ابن مريم هو الله ليس كمَن قال إن الله هو المسيح ابن مريم!"؛ مما يرفضه أي صبي مُمَيِّزٍ، فضلًا عن عاقلٍ، فضلًا عن عالمٍ منتسب للدين، ويصعب جدًّا -بل يستحيل- الدفاع عن إيمان قائل هذا، بل عن إسلامه، فهذا تحريفٌ أشنع مِن تحريف اليهود الذين أنزل الله فيهم: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) (المائدة:41)؛ لإنكارهم حدَّ الرجم في التوراة مع إبقائهم الآية للهروب مِن تطبيقها، فَهُم -كما ثبت في الحديث المتفق عليه-، يضعون أيديهم على الآية يقرؤون ما قبلها وما بعدها، حتى قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ -عالم اليهود-: "ارْفَعْ يَدَكَ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوح؛ فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، إن فِيهَا الرَّجْمِ!"، فأقروا بها رغم أنهم لا يُطَبِّقُونَها، بل ويقولون إنها ليستْ موجودة!

أما هذه السماجات فغير مُحتملة؛ إلا أنها تصب في المخطط العالمي للمناداة بمساواة جميع الأديان "حتى الإلحاد!"؛ فلا يحكمون على القائل بإنكار وجود الله، وإنكار الآخرة والجنة والنار أنه كافر أو مِن أهل النار -نوعًا أو عينًا-، ويسخرون ممَن يبيِّن آيات القرآن، بل والتوراة والإنجيل في ذلك.

هذه الطريقة قد تدعمها سياسات دول كبرى، وقد يقبلها أو يُقِرُّها سَاسَةٌ لا يُقَدِّرون المسألة حق قدرها؛ فلابد أن يتكلم العلماء غير هيابين ولا مترددين، فإن المسألة انسلاخ مِن دين الأنبياء جميعًا "ومن دين الإسلام خصوصًا"؛ لا يمكن لمسلمٍ يُصَدِّق بقول الله -تعالى- عن المسيح -عليه السلام-: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (النساء:157)، أن يتوافق مع مَن عقيدته أنه لا خلاص للعالم وللنوع الإنساني عمومًا إلا مِن خلال تقبل المسيح مصلوبًا مخلصًا!

ثم إن الأمر يتعدى هذه المُخَاطَرَة على الدين لتضييع العقيدة بالكلية، ويتجاوز الخطوط الحمراء إلى أن يحصل منه خطر على الأمن القومي للدول والمجتمعات؛ فهي بالفعل تفتح الأبواب أمام الجماعات المنحرفة لتحكم على الدولة كلها بالكفر، وعلى المؤسسات الدينية الرسمية بذلك، لأنهم لا يفهمون ولا يعرفون معنى قوله -تعالى-: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام:164)؛ فطالما عُرِض في وسائل الإعلام ومِن رجالٍ ينتسبون للمؤسسة الدينية الرسمية فالدولة تقول ذلك! وهم -بالتعميم- يقولون الكفر! والمؤسسات كلها تقول الكفر! ويتسلسل هذا الضلال إلى نسج خيالٍ مِن مؤامراتٍ مزعومة يرأسها الساسة والقادة أبناء اليهود لهدم الدين؛ فإذا قيل لهم لا تعمموا؛ قالوا: ألم يقل فلان كذا وكذا؟! أوليس هذا تكذيبًا للقرآن وتحريفًا له؟! مع أن الحقَّ الذي لا إشكال فيه أنه لا يلزم تكفير الناس بقولٍ قاله واحد منهم، لا يلزم غيره إذا لم يُقِرُّوا ويُوافِقوا ويَرضوا.

إن هذا الباب "باب التعايش" علاجه -في غاية السهولة- بغير هذا الأسلوب الفج؛ لابد مِن تعميق علم العهود والمواثيق كما ورد في وثيقة المدينة بيْن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واليهود: "وإن اليهود يُنفقون مع المؤمنين ما داموا مُحاربين، وأن يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين؛ لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"، قال -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون).

فتدريس السيرة والسُّنة النبوية، والتفسير السلفي الصحيح لآيات القرآن، وسعة الأفق والفهم، والرَّحَابة التي يتميز بها هذا الدين في أنواع المعاملات مع الكفار دون الجهل والتطرف والغُلُوِّ -الذي يقوله البعض- هو الذي يحل هذه الإشكالية ويحقق للمجتمعات أمنها، ويحفظ عليها سلامتها واستقرارها، وبقاء كل طائفة -وإن اختلفوا في الدين- آمنة على دينها، ونفسها، وأعراضها، وأموالها في ضوء العهود الشرعية.

وأخيرًا: "لا تلعبوا بالنار... !"، واعلموا أن الشرع يحقق ما يحتاج إليه العباد دون أن نُرَدِّدَ الباطلَ أو أن نُحَرِّفَ النصوصَ أو أن نُكَذِّبَ القرآن!