إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 03 أبريل 2018 - 17 رجب 1439هـ

كفالة "اليتيم" وحنان اليوم الواحد!

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ"اليتيم": هو الصغير الذي فقد الأب ويحتاج إلى مَن يرعاه.

قال ابن كثير -رحمه الله- في "اليتامى": "وهم الصغار الذين لا كاسب لهم مِن الآباء".

وقال القرطبي -رحمه الله- في "اليتامى": "جمع يتيم، مثل: ندامى جمع نديم، واليتم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم يُقال في بني آدم في فقد الأم، والأول المعروف".

وقد جاء الحثّ على الإحسان إلى اليتيم في أكثر مِن آية في القرآن الكريم، مقترنًا بالإحسان إلى الوالدين والقربى، ومقدمًا على الإحسان إلى المساكين، قال -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة:83)، وقال -تعالى-: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) (النساء:36)، وقال -سبحانه وتعالى-: (وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ) (البقرة:177)، وقال -تعالى-: (قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) (البقرة:215).

ولعل ذلك راجع إلى أن اليتيم أكثر حاجة مِن المسكين، فإن حاجة المسكين قد تكون مؤقتة، والمسكين إن وَجد مَن يواسيه بمالٍ قام هو بأمر نفسه الذي هو أدرى باحتياجاتها مِن غيره، أما اليتيم فلصغره فإن حاجته إلى مَن يرعاه دائمة، وهو وإن ملك المال -بميراثٍ أو غيره- لا يستطيع لصغره أن يقوم بأمر نفسه، ويحتاج إلى مَن يعتني بمصالحه في الصغيرة والكبيرة منها حتى يبلغ أشده ويكتمل رشده، فالمسكين إن فقد مَن يعطيه مِن ماله جاع، أما اليتيم فإن فقد مَن يكفله ضاع وإن ملك المال وبات وهو شبعان.

فلا غرابة أن تكون حاجة اليتيم إلى مَن يكفله -ويحسن بذلك إليه- أشد مِن حاجة المسكين؛ لذا جاء الأمر بالإحسان إلى اليتامى قبْل الأمر بالإحسان إلى المساكين في آيات القرآن الكريم، والله -تعالى- أعلم.

ولعظم دور الكفيل في حياة اليتيم، ولجسامة العبء الذي عليه، ولأهمية المسئولية التي يقوم بها، حتى صار هذا اليتيم عنده كابن مِن أبنائه في الاعتناء به والقيام بأمره جاء الشرع ببيان عظم ثوابه عند الله -تعالى- في الآخرة، قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا). وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. (رواه البخاري). وعند مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ) وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.

قال الذهبي -رحمه الله- في كتابه الكبائر: "كفالة اليتيم: هي القيام بأموره والسعي في مصالحه مِن طعامه وكسوته وتنمية ماله إن كان له مال، وإن كان لا مال له أنفق عليه وكساه ابتغاء وجه الله -تعالى-، وقوله في الحديث: (لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ) أي سواء كان اليتيم قرابة أو أجنبيًّا منه، فالقرابة مثل أن يكفله جده أو أخوه أو أمه أو عمه أو زوج أمه أو خاله أو غيره مِن أقاربه، والأجنبي مَن ليس بينه وبينه قرابة".

قال القرطبي -رحمه الله- في إشارته -صلى الله عليه وسلم- بالسبابة والوسطى: "فإنما أراد ذكر المنازل والإشراف على الخلق، فقال: نحشر هكذا ونحن مشرفون، وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة".

والمجتمع المسلم عندما يتحرك لكفالة مَن فيه مِن اليتامى، إنما يفعل ذلك مِن دافع الشعور بالمسئولية تجاه هؤلاء الصغار مِن أبناء المجتمع، والذي ينبغي على المجتمع أن يكون فيه مَن يقوم مقام الأب ويتولى أمر هذا اليتيم الصغير حتى يكبر، فإن كان الأب قد وصى بذلك إلى مَن يستأمنه على ولده فبها ونعمت؛ وإلا فهي مسئولية ينبغي أن يستشعرها مَن حول هذا اليتيم، فلا تهنأ لهم حياة، ولا تستقيم لهم معيشة إلا وقد وجد هذا اليتيم مَن يتولى أمره، ولو بِحَثِّ غير القادرين لمَن يجدونهم مِن القادرين على الكفالة بالقيام بها، وأن تكون هذه الكفالة ممَن هو أمين عليها، وأن تكون كفالة تامة غير منقوصة، تعتني بحاجات الصغير جميعها، وتحرص كل الحرص على تربيته وتنشئته وتهذيبه وتعليمه ما ينفعه.

وكفالة اليتيم في الإسلام عبادة وقربة، ومسئولية دائمة لا يصح أن تقتصر على يوم في العام، يُكتفى فيه بتقديم الأموال والهدايا، أو المواساة بالزيارة، ثم ينصرف الناس من حول اليتيم كل في شأن نفسه.

فحاجة اليتيم ليستْ إلى المال والزيارة فحسب، وليستْ مقصورة على يومٍ في العام، ولكنه يحتاج إلى مَن يفكر في أمره ويتولى مصالحه ليل نهار، ولا يتوانى عن توجيهه وإرشاده، وتربيته وتعليمه؛ لينشأ النشأة الصالحة القويمة التي ينفع بها نفسه ويتعدى بها نفعه إلى مجتمعه عندما يبلغ رشده.

واليتيم قبْل ذلك وبعده لا يحتاج إلى مَن يذكره بأنه يتيم، ويخصص يومًا قبْل ذلك يجتمع فيه الناس حوله -مخلصين في ذلك أم مرائين- ليجددوا له أحزانه بفقد أبيه، ويشعرونه أن بؤس حاله جذب إليه أصحاب القلوب الرحيمة بهداياهم وعطاياهم الرمزية ثم ينصرفون عنه، وقد رضيتْ نفوسهم واطمأنت بذلك، وقد تركوا هذا اليتيم باقي أيام العام لا يجد مَن يتابع بحرصٍ وعنايةٍ حاله وأحواله!

إن الواجب علينا أن نعود إلى الفهم الصحيح لكفالة اليتيم كما يريدها منا إسلامنا؛ فيتجه القادر -ويحث غير القادر غيره- على تولي أمر اليتيم، ويكفله الكفالة التامة الدائمة في المأكل والمشرب والتربية والتوجيه، وتعليمه أحكام الدين، ونواله القسط اللازم مِن التعليم الدنيوي وتعلم حرفة أو مهنة يتكسب منها، وحفظ ماله وتنميته إن كان له مال مِن ميراثٍ أو غيره؛ فهذه هي الكفالة المطلوبة منا، والتي إن أديناها نبلغ الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة التي لكافل اليتيم عند الله -تعالى- في الآخرة.

ولننبذ هذه المفاهيم القاصرة والتقاليع المحدثة وحنان اليوم الواحد، المسمى: "بيوم اليتيم"، فإنها مما لا تسمن ولا تغني مِن جوع، ولا تسقط عن الأمة ما لليتامى مِن حقوق في أعناق الجميع، حتى لا نكون ممن يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.

وصلى اللهم على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.