إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 29 مارس 2018 - 12 رجب 1439هـ

تأملات في النصيحة (10)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أهمية مراجعة أهل العلم والخبرة:

إن تحقيق الموازنات تحتاج إلى مُمَارَسة طويلة المدى، وتحتاج إلى مُجالَسَة أهل العلم ومراجعتهم في كل أمر مشكل؛ حتى نعلم كيف نقوم بالدعوة إلى الله على الوجه الصحيح.

الأمر يحتاج إلى علمٍ وبصيرةٍ، ويحتاج إلى خبرةٍ وطريقةٍ صحيحةٍ، ولا يُمكِن ذلك إلا بمراجعة أهل العلم، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل:43)، فعند وجود الجهل أو الشبهات، أو اجتماع المصالح والمفاسد، أو تعارض المصالح مع بعضها وضرورة الاختيار بيْن أعظمها وأقَلِّها لتحصيل الأعظم ولو بفوات الأقل، وكذا إذا تزاحمت المفاسد، ولابد مِن احتمال بعضها؛ فلابد مِن معرفة مقدار الأقل لاحتمالِه دفعًا للأشد؛ قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء:83)، فدَلَّ ذلك على أن أهل العلم هم المُقَدَّمون في ذلك؛ فالناس يُردون إلى أولي الأمر منهم، ومنهم أمراء ونقباء وعرفاء أيام النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، واليوم يوجد أناس مِن أهل القوة في الوظائف الإدارية، لكن خَصَّ -سبحانه وتعالى- الذين يستنبطونه، قال: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، وما ذاك إلا لأن هذه المسائل -أمور الأمن والخوف- كلها مِن أمور السياسة التي تشتبك فيها المصالح والمفاسد، وقد تتعارض الحسنات والسيئات؛ ولذلك يكون هذا على أهل العلم مِن أشَقِّ الأمور.

كما يحتاجون إلى المُشَاوَرَة، قال -تعالى-: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى:38)، وكان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أكثر الناس مُشَاوَرَةً لأصحابه، مع أنه مؤيَّدٌ بالوحي المعصوم عن الزلل، ومع ذلك يُعَلِّمُ أُمَّتَه كيف يتخذون القرارات.

لهذا نَقول: لابد مِن الرجوع لأهل العلم، وتحقيق النظر في الواقع بالمُشَاوَرَة فيما بينهم وبيْن بعضهم البعض، وذلك أنه لا يتحقق اتخاذ القرار الصحيح إلا بأن يكون هناك علم وبصيرة، وأن يكون هناك دراسة للواقع وموازين القوى، وأن يكون هناك تشاور بيْن أهل العلم.

وأعجب ما رأينا وسمعنا أن نسمع مَن يقول: "إن المشايخ والعلماء على رؤوسنا، وأننا نعرف قَدْرَهم، لكن في أمور الأمن والخوف -أعني السياسة- فإننا أعلم منهم بذلك!"؛ أَفِي مسائل العقيدة والعبادة والمعاملة والحلال والحرام والأخلاق، وسائر الأمور تعرفون قَدْرَ العلماء ثم إذا جاءت المسائل الأصعب والأشد احتياجًا للاجتهاد والتشاور وهي خَفِيَّة -أشد خفاءً مِن أمور الاختلاف في الأمور المجردة التي ذكرنا- فعند ذلك تتركون رأيهم وتكونون أنتم أعلم منهم بذلك؟! وتتبعون في الحقيقة دعايات أهل البدع والضلال -التي هي في حقيقة الأمر دعايات الأعداء الذين سَخَّرُوا أهل البدع والضلال لكي يُمَزِّقُوا الأمة- فتجدهم يكون عندهم مِن المرونة المزعومة في العقائد حتى إنهم ينطقون بالكفر أحيانًا ويُحِلُّون ما حرَّم الله -سبحانه وتعالى- أو يُحَرِّمون ما أحَلَّ اللهُ، ويَستَدِلُّون بالآيات والأحاديث في غير موضعها قطعًا وبالإجماع! كمَن يحتج على الحريات التي يطلبها الغرب في الشذوذ الجنسي وانتشار الفواحش، والحرية في المُعاشَرَة الجنسية، وكذلك في حماية حقوق المُلْحِدين -كما يسمونهم!- فيقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)! ومعلومٌ أن تكملة الآية: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة:256)، وكذلك قوله -تعالى-: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) (الكهف:29)؛ شتان بيْن دلالة هذه الآية على مسئولية الإنسان وعقوبة مَن ظَلَم وكَفَر وبيْن الحرية الغربية التي تُصَوِّبُ المللَ كُلَّها وتبيح هدم الأخلاق وتدمير قِيَم الأمم -خاصةً قِيَم الأُمَّة الإسلامية- لفَرْضِ باطِلِهم وضلالِهم وانحرافِهم.

نعجب ممَن يتابع إعلام هؤلاء بالليل والنهار، ويَقْبَل كل ما يقولون، ويَجِدُ في نفسه حَرَجًا مما يقوله أهل العلم! ويزعم أنهم لا يفهمون في السياسة، مع أن الله -تعالى- خَصَّهُم -مِن دون أُولي الأمر- بالفهم والعلم، فقال: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)؛ لذلك نَقُول: أهلُ العلم هم المُقَدَّمُون في باب المصالح والمفاسد.

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رَحِمَهُ اللهُ- في تفسير قوله -تعالى-: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ): "هذا تأديبٌ مِن الله -تعالى- لِعِبادِه عن فِعْلِهِم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمرٌ مِن الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة: عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها؛ فإن رأوا في إذاعته مصلحةً ونشاطًا للمؤمنين وسرورًا لهم وتحرُّزًا مِن أعدائهم فَعَلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه، ولهذا قالَ: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.

وفي هذا دليل لقاعدةٍ أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمرٍ مِن الأمور ينبغي أن يُوَلَّى مَنْ هو أهلٌ لذلك، ويُجعل إلى أهله، ولا يُتَقَدَّم بيْن أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة مِن الخطأ.

وفيه النهي عن العَجَلَةِ والتَّسَرُّع لنشر الأمور مِن حين سماعِها، والأمر بالتأمل قبْل الكلام والنظر فيه: هل هو مصلحةٌ فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيُحْجِم عنه؟" (انتهى مِن تفسير السعدي، ص190).

ولهذا قال أبو مسلم الخولاني -رَحِمَهُ اللهُ-: "العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء؛ إذا بَدَت للناس اهتَدوا بها، وإذا خَفِيَت عليهم تَحَيَّروا".

وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "مَثَل العلماء مثل الماء؛ حيثما سَقَطُوا نَفَعُوا".

فاحْذَر مِن أهل البدع والضلال الذين يُحَذِّرُونَكَ مِن اتِّباع أهل العلم، ويزعمون أنهم أعلم منهم بأمور السياسة وأنهم رجال المرحلة "ولذلك لابد لأهل العلم أن يطيعوهم على خَلَلِهم! مع ظهور آثار هذا الخَلَل لكل عاقلٍ -لا أقول لكل عالمٍ-!"، خصوصًا إذا ظهرتْ أمارات التكفير والتخريب والتدمير للمجتمعات، وظهر ذلك جَلِيًّا في تدميرهم لأنفسهم ومَن تَبِعهم، خصوصًا أنهم لا يعبَأون إلا بمصلحة طائفتهم المحدودة التي ليستْ مِن مصلحة الأمة في غالِب الأوقات؛ فلابد أن ننتبه إلى هذا الخطر الذي يردده البعض وهو لا يعي -مِن أن أهل العلم لا يُستشَارون في هذه الأمور-؛ كيف وهم قد بذلوا كل ما في وسعهم في دراسة الواقع، بعد عِلمهم بالشريعة وموازينها وكيف تُتَّخَذ المواقف مِن سيرة الأنبياء وسنة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، ثم تشاوروا مع بعضهم وتشاوروا مع عامة أهل الرأي مِن إخوانهم، ثم كانت مواقفهم -بفضل الله- عبْر سنوات تُثْبِت توفيقًا مِن الله -سبحانه وتعالى- ورشادًا لِأُمَّتِهم وجماعتِهم، ودعوتِهم ومنهجِهم المبارك.

أَيُريد بعض الأغرار والشباب أن يُقَدِّموا أنفسَهم في ذلك ولم يُحَصِّلُوا شيئًا مِن العلم بالشريعة -فضلًا عن مقاصِدِها- والاجتهاد في ترتيب أولوياتها وأمور المصالح والمفاسد فيها -التي هي أصعب أمور الاجتهاد-؟! فلابد أن يُرجَع إلى أهل العلم دون غيرهم مِن أهل الجهل والثورة والفورة التي لا تُراعي فتنةً، ولا تدفع فوضى ومَضَرَّةً وسوءًا عن المسلمين!

خاتمة:

تبقى أمور مهمة لابد أن يستحضرها الناصح في قيامه بمهمة النصح، نختم بها مقالاتنا -نسأل الله أن ينفع بها في الدنيا والآخرة-.

أولًا: أهمية الإخلاص في القيام بهذا الواجب، حتى يُسقِط الناصِحُ الخَلْقَ في عمله مِن حسابِه، فهو لا يريد إلا وجه الله: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى . إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى . وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل:19-21)، فلا يَفرح بمَدْحِ مادِحٍ، ولا يهرب ويخاف مِن ذَمِّ ذَامٍّ ممَن يخالفه، وكثيرٌ مِن الناصحين قد تجده يَفرح إذا مَدَحَه مَن مَدْحُه شَيْنٌ مِن المُخَالِفِين للدِّين؛ فلابد أن يحذر على نفسه مِن ذلك.

ومِن الناس والدُّعَاةِ مَن يَضيق بِذَمِّ الذَّامِّين مِمَّن ذَمُّهم زَيْنٌ؛ لكنه فرارًا مِن ذلك يترك ما أُمِر به مِن النصيحة والدعوة إلى الله؛ فَأَنَّى تكونُ له السلامةُ مِن الذَّمِّ وقد حصل للأنبياءِ، بل السب والشتم، بل الضرب والقتل، قال -تعالى-: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} (البقرة:87)، وقد وَقَعَ ذلك مِن الكُفَّار والمُجْرِمين.

أما مَن يَخْدَعُه خَادِعٌ بأن ذلك لرعاية هَيْبَة الداعي ومصلحة الدعوة فلا يريد أن يتعرض لذلك حتى لا يُذَمَّ ولا يُشْتَم؛ فيترك الناس يهلكون ويُقتلون ويُحبسون، ولا يَنصحهم بما يَحفظ دينَهم ودعوتَهم ودُنياهم، ويزعم أنه يُبْقِي على هيبةِ نَفْسِه فهو المخالف لِسُنَّةِ الأنبياء والمرسلين!

وهل تبقى الدعوة أصلًا حتى تبقى هيبةُ الذي يزعم أنه يحافظ عليها إذا لم يَنصَح لِأُمَّتِه ومُجتمعه؟!

ولماذا إذًا قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان:17)؟!

فما العزيمة في ترك النصيحة التي يعلم الإنسان أنها حق ونصح صادق للأمة والدعوة وطوائف المسلمين إذا شُتِمْتَ، والقيام بها حين تُبَجَّل وتُقَدَّم وتُعَظَّم؟! ومِن أين أُخِذ هذا مِن سيرة الأنبياء والعلماء المليئة بصور الصبر على الأذى وأنواع التُّهَم خاصة إذا كانت مِن أهل الكفر أو أهل البدع؟! فما زال المسلمون على الدوام يتحملون تُهَمَ أعداء أُمَّتِهم بالتخلف والرجعية!

بل الأنبياءُ -إلى يومنا هذا- وخاتَمُهم محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يتعرضون للسخرية والاستهزاء، وأبو بكر وعمر وعثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- إلى الآن يُسَبُّون مِن الرافضة، وَعَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ما زال يُكَفَّر إلى الآن مِن الخوارج، والصحابةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- لا يزالون يُسَبُّون إلى الآن مِن الشيعة والمستشرقين والتغريبيين؛ فمِن علامة الخير أنك تُتَّهَم مِن أهل الزيغ والضلال والبدع؛ فلتفرح بهدايا الحسنات وتكفير السيئات.

أيها الداعي المظلوم الذي يَتَّهِمُكَ أهلُ الضلال بأنك الظالم المنافق المرتد: لا تَعْبأ بِهِم، وسِرْ في طريقك.

وأقول لإخواني: إذا كنتم عَمِلْتُم لله مِن أجل أن تحفظوا دعوةَ الحق، وتحفظوا دماءَ المسلمين فلا تُراق في فوضى عمياء، وأعراضَ المسلمين والمسلمات فلا تُنْتَهَك في فتنةٍ دهماء، وبلادَكم "التي هي بلاد المسلمين، بل هي محور الارتكاز فيها في زماننا، ولو سَقَطَت ضاعتْ بلاد المسلمين -نسأل الله أن يعافي المسلمين مِن ذلك-"، إذا كنتم حافظتم على بلادِكم أن تُخَرَّب وتُدَمَّر باسم الدين، وتُشَوَّه صورة الدين في العالَم وصورة الالتزام عند المسلمين؛ فلا تَخْشَوا ذَمَّ الشائنين الذين سَخَّرَهُم الأعداءُ لتدمير دِينِهم باسم الدِّين -شعروا أم لم يشعروا-.

وأيضًا: إياكم أن تَفرحوا بمدح الذين ذَمُّوكُم بالأمس ولم يَعرفوا حُرْمَتَكم ولا حَقَّكم؛ فإنهم إن خالفتموهم غدًا سَبُّوكُم أعظمَ السَّبِّ، وإن بَقِيتُم لا تُوافِقُوهم على باطِلِهم انطلقتْ ألسنتُهم وأيديهم بالسُّوء؛ فاجْعَلُوا عَمَلَكم كُلَّه ابتغاء وجه الله، لا تَنتظِروا جزاءً مِن أحدٍ، ولا تَفرحوا بِشُكْرِ أحدٍ، (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) (الإنسان:9)، ولا تَتَوَكَّلُوا إلا على الله الذي يُدافِع عن الذين آمَنوا (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) (الحج:38)؛ فلستم بحاجةٍ إلى غَيرِه، وإنما أَخَذْتُم بالأسباب ولم تُضَيِّعوها امتثالًا لأمر رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَز) (رواه مسلم).

أما القلب فلا بد أن لا يتعلق إلا بالله وحده، النافع الضار، المُعطي المانِع، المُعِزّ المُذِلّ، مالك الملك يُؤتِي المُلكَ مَن يشاء ويَنزِع الملكَ ممَن يشاء، ويُعِزّ مَن يشاء ويُذِلّ مَن يشاء، بِيَدِه الخيرُ وهو على كل شيءٍ قَدِير.

ثانيًا: لِيَكُن الصِّدق في النُّصح والرغبة في هداية الخلق وحِفْظ مصالِحِهم هي السِّمَةُ اللَّازِمَةُ لَكُم، كما لَزِمَت مؤمن آل ياسين، فنَصَحَ قومَه في الدنيا، ولما قتلوه ظل النُّصح لهم غَالِبًا عليه، حتى قال -تعالى- عنه: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس:25-27).

فلابد أن نَعْزِلَ الناسَ -ذامّهم ومادِحهم- فيما بيننا وبيْن الله وهذا هو الإخلاص، ولابد أن نعزل أنفسنا فيما بيننا وبيْن الناس؛ فلا نسعى للانتقام لأنفسنا ممَن آذانا، أو نريد دمار مَن خَالَفَنا؛ بل نظل على الدوام نردد ونستحضر قولَ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ حتى أَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (متفق عليه)، وقولَه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما عَرَضَ عليه مَلَكُ الجِبَالِ أن يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ: (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (رواه البخاري ومسلم)، وحالَ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي قالتْ عنه عائشةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: "وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا" (متفق عليه)، وصَبْرَ الأنبياء ونصيحَتَهم للناس وإن كانوا لا يُحِبُّونَ الناصحينَ!

ثالثًا: لابد أن تُوَطِّنُوا أنفسَكم على الاستمرار في النصح لمجتمعِكم وبلادِكم -التي هي بلاد المسلمين- وأُمَّتِكم ودعوتِكم المُبارَكة -دعوة أهل السُنَّة والجماعة- في أي الظروف، رَضِيَ الناسُ عَنَّا أم سَخِطوا، أكرمونا أم آذونا، واستحضِروا قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ: رَضِيَ الِلَّهِ عَنْهُ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ: سَخَطَ الِلَّهِ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ) (أخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني).

نسأل اللهَ أن يُصلِح بلادَ المسلمين في كل مكان، وأن يَدفع عنهم الأذى والسوءَ في كل مكان، وأن يَرُدّ عنهم كيدَ عَدُوِّهم.

اللهم مُنزِل الكتاب ومُجْرِي السحاب وهَازِم الأحزاب سريع الحساب، اهزِم أعداءَ المسلمين وزَلْزِلْهم وانْصُرْنا عليهم، اللهم أنت مولانا لا مولى لنا سواك، وإنا مغلوبون؛ فانْتَصِرْ لِدِينِك وكتابِك، وسُنَّةِ نبيِّك -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وعبادِك المؤمنين.

انتهت مقالات: "تأملات في النصيحة" -بحَمْد اللهِ وتوفيقِه-، فما كان فيها مِن صوابٍ فمِنَ اللهِ، وهو الذي مَنَّ بِهِ وَتَفَضَّلَ؛ فله الحمد، وما كان فيها مِن خطأٍ وزَلَلٍ فمِنِّي ومِن الشيطان؛ واللهُ ورسولُه منه بَريئان، وأنا راجعٌ عنه -إذا عَلِمْتُه- في الدنيا والآخرة.