إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 21 مارس 2018 - 4 رجب 1439هـ

مِن صور الكفاح الفلسطيني... انتفاضة الحجارة (1987م)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سمِّيت الانتفاضة الفلسطينية التي بدأتْ في "8 -12-1987م" بانتفاضة الحجارة، حيث كانت الحجارة هي الأداة الرئيسية للمقاومة فيها، كما عرف رماة الحجارة مِن الصغار بـ(أطفال الحجارة!).

وقد جاءت هذه الانتفاضة كشكلٍ مِن أشكال الاحتجاج العفوي مِن الشعب الفلسطيني على الوضع العام الذي يعانون منه لأسبابٍ عديدة، منها:

1- القمع اليومي الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

2- عدم تقبل الفلسطينيين لهذا الاحتلال.

3- تردي الأحوال الاقتصادية للفلسطينيين.

4- تجاهل القادة مِن العرب والمسلمين للقضية الفلسطينية، ومعاناة الشعب الفلسطيني.

5- ما نقلته وكالات الأنباء أيضًا عن تجاهل قمة (ريجان - وجورباتشوف) للقضية الفلسطينية، ومسألة عقد مؤتمر دولي بشأنها في مباحثات القمة بينهما في واشنطن صباح "8-12-1987م"، باعتبارها قضية غير عاجلةٍ.

بداية الانتفاضة:

جاءتْ شرارة هذه الانتفاضة مِن قطاع غزة، حيث كان القطاع بكثافته السكانية ومخيمات اللاجئين فيه يعاني في ظل الاحتلال الإسرائيلي مِن سوء الأحوال الاقتصادية والإجراءات التعسفية مِن سلطات الاحتلال.

وفى الثامن مِن ديسمبر 1987م صدمتْ سيارة إسرائيلية عددًا مِن العمال الفلسطينيين؛ مما أسفر عن قتل أربعة فلسطينيين وإصابة آخرين، وتردد أن الحادث عمل انتقامي مِن جانب الإسرائيليين؛ مما ترتب عليه نزول الفلسطينيين إلى الشوارع؛ للتظاهر، وقذفهم لدورية إسرائيلية بالحجارة.

وازداد عدد المتظاهرين الغاضبين إلى عدة آلاف، وسرعان ما امتدت المظاهرات الغاضبة إلى كل أنحاء غزة والضفة الغربية، لتتحول إلى انتفاضةٍ شعبيةٍ فلسطينيةٍ، ولشمولية الانتفاضة لم تستطع قوات الاحتلال المسلحة -رغم استخدام القوة المفرطة في مواجهة المظاهرات الغاضبة- إخمادها.

الانتفاضة داخل إسرائيل:

وفي "21-12-1987م" امتدت الانتفاضة إلى داخل إسرائيل نفسها؛ إذ قام العرب الذين يعيشون داخل إسرائيل مِن قبْل عدوان يونيو 1967م، ويحملون الجنسية الإسرائيلية -ويزيد عددهم عن 750 ألف عربي فلسطيني- بالمشاركة في الانتفاضة؛ مما سبب مفاجئة غير متوقعة للحكومة الإسرائيلية التي كانت تظن أنها قد استوعبت عرب إسرائيل، وانتزعتهم مِن جذورهم الوطنية الفلسطينية، وجاء امتداد الانتفاضة إلى الأراضي المحتلة منذ 1948م في مناطق: "الجليل، والمثلث، والنقب" سابقة أذهلت القادة الإسرائيليين!

لقد كشف إحصاء إسرائيلي أجري عام 1987م أن 59% مِن السكان العرب تقل أعمارهم عن 16 عامًا، أي وُلدوا في ظل الاحتلال الإسرائيلي، ومع ذلك فلم يرضخوا للأمر الواقع، بل تمردوا عليه، ولو باستعمال الحجارة في وجه قوات الاحتلال المدججة بالسلاح؛ للتعبير عن هذا التمرد.

منظمة التحرير الفلسطينية تتبنى الانتفاضة:

وقد قامت منظمة التحرير الفلسطينية بدعم الانتفاضة حيث قررت اللجنة المركزية لمنظمة فتح في "9-1-1988م" تشكيل لجنة عليا لمتابعة تطورات الانتفاضة ومساندتها، كما سعت سياسيًّا إلى مساندة الانتفاضة عربيًّا ودوليًّا.

وقد زاد مِن اشتعال الانتفاضة الاحتفال بذكرى يوم الأرض في "30-3-1988م"؛ مما زاد الانتفاضة ضراوة في كل الأنحاء رغم إعلان قوات الاحتلال الإسرائيلية حالة الاستعداد القصوى لمواجهة ذكرى يوم الأرض الذي توقع الجميع ازدياد الانتفاضة فيه!

أثر الانتفاضة على عرب إسرائيل:

لم يكتفِ عرب إسرائيل مِن الفلسطينيين بالتظاهر تضامنًا مع إخوانهم وأقاربهم في الأراضي المحتلة بعد حرب 1967م في غزة والضفة الغربية، بل ساهموا بتقديم المساعدات الغذائية والطبية والمادية لقرى ومخيمات ومدن غزة، والضفة الغربية عن طريق وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (الأنروا)؛ لكسر حصار التجويع الذي تفرضه سلطات الاحتلال عليهم.

وقد قام عرب إسرائيل مِن فلسطيني 1948م الذين يملكون طبقًا للقانون الإسرائيلي 285 ألف صوت في الانتخابات الإسرائيلية بإعداد أنفسهم للدخول لأول مرة ككتلة واحدة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي في نوفمبر 1988م، للقيام بتحركٍ سياسيٍ موحدٍ، يدعم المطالب والمصالح الفلسطينية.

ولما كانت القوانين الإسرائيلية داخل إسرائيل تمنع إنشاء أحزاب عربية خالصة؛ ظهر اقتراح بدخول عرب الفلسطينيين داخل إسرائيل في ائتلاف مع بعض أحزاب وحركات المعارضة الإسرائيلية التي أظهرتْ معاداتها للممارسات القمعية الإسرائيلية ضد المتظاهرين الفلسطينيين، وتساند جهود السعي للسلام في المنطقة، كحركة: (السلام الآن)، و (الجبهة التقدمية للسلام)، و(الحزب الشيوعي الإسرائيلي راكاح)، والتي قام عدة آلاف منها -مِن يهود إسرائيل- بتظاهراتٍ -داخل إسرائيل- منددة بالقمع الإسرائيلي الوحشي ضد المتظاهرين الفلسطينيين، وشاركهم في ذلك عددٌ مِن الشخصيات مِن أساتذة الجامعات والكتاب والعلماء والفنانين اليهود.

المساندة العربية للانتفاضة:

في مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الجزائر في يونيو 1988م تقرر تقديم المساندة والدعم المالي للشعب الفلسطيني -الذي قام بالانتفاضة وهو يعاني وطأة الاحتلال والتعسف الإسرائيلي- لمواصلة المقاومة والثورة.

التحركات السياسية العربية لاستثمار الانتفاضة:

في 31-7-1988م أعلن الأردن فك ارتباطه القانوني والإداري مع الضفة الغربية؛ مما يمهد لمنظمة التحرير الفلسطينية مِن إعلان الاستقلال، وإقامة دولة فلسطينية تحت الاحتلال، وعليه اتخذت منظمة فتح قرارها التاريخي في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في "15-11-1988م بإعلان قيام دولة فلسطين تحت الاحتلال وعاصمتها "القدس".

ودعا المجلس إلى عقد مؤتمرٍ فعالٍ لبحث القضية الفلسطينية تحت رعاية الأمم المتحدة، وبحضور كل أطراف النزاع بما فيها منظمة التحرير ممثلة للشعب الفلسطيني، على أساس قراري مجلس الأمن رقمي: (242, 338).

وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في (جينيف) أعلن ياسر عرفات في "13-12-1988م" قبوله للقرارين 242، و338، ونبذ العنف ضد إسرائيل! جريًا وراء أوهام السلام! مما مهد لبدء المحادثات بيْن الخارجية الأمريكية وممثلي المنظمة، وكانت الخارجية الأمريكية ترفض قبْل ذلك إجراء أي مباحثاتٍ مع المنظمة قبْل إعلان ترك المنظمة العنف (أي المقاومة المسلحة) ضد إسرائيل؛ إرضاءً لإسرائيل!

وقد أقيمتْ هذه الجلسة للجمعية العمومية للأمم المتحدة بصورةٍ استثنائيةٍ في (جينيف) -لا في (نيويورك) مقر الأمم المتحدة- حتى يتمكن "ياسر عرفات" مِن إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة، حيث رفضت أمريكا إعطاء عرفات تأشيرة الدخول لأمريكا وإلقاء كلمته أمام المنظمة الدولية في مقرها في نيويورك.

وظهرت بالفعل محاولات للنظر في حل القضية الفلسطينية سلميًّا أمام هذه الانتفاضة الشعبية الفلسطينية القوية، ولكن هذه المحاولات لم تأتِ بالثمار المرجوة، خاصة مع غزو الرئيس العراقي "صدام حسين" للكويت في "2-8-1990م"، ليصرف الجهود الدولية عن هذه المحاولات، بل ويتسبب في خمود الانتفاضة الفلسطينية نفسها!

استماتة الانتفاضة:

استمرت الانتفاضة الفلسطينية مشتعلة طوال عامي: (1988- 1989م)، وببسالةٍ وشجاعةٍ منقطعة النظير، رغم التضحيات الكبيرة التي قدمتها!

لقد تميزت الانتفاضة بكونها عصيانًا مدنيًّا واسعًا طويلًا في مواجهة الاحتلال، وقد تم إنشاء لجان محلية داخل المخيمات الفلسطينية عملتْ على التنظيم غير المسلح للشارع الفلسطيني، والشد مِن أزره، والتقريب بيْن صفوفه، وتوفير المؤونة والأدوية، والاحتياجات الضرورية خاصة في المخيمات والمناطق التي طبق فيها حظر التجول.

وفي المقابل: قام الجيش الإسرائيلي بحملة اعتقالاتٍ واسعةٍ، مع ضرب شديد وتعذيب بلغ حد تكسير عظام المتظاهرين والمعتقلين عمدًا، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي والممتلكات.

وقد حركت هذه البلطجة الإسرائيلية والقوة المفرطة وصمود الفلسطينيين في مواجهتها القضية الفلسطينية مِن جديدٍ، وأثارت الرأي العام العالمي ضد إسرائيل؛ مما دفع أمريكا والأمم المتحدة إلى توجيه الانتقادات لإسرائيل.

لقد بلغ المعدل اليومي للشهداء مع نهاية الشهر الثامن مِن الانتفاضة ما بيْن 3 - 4 شهداء يوميًّا، وجملة الضحايا نحو 396 جريحًا يوميًّا، منهم أطفال -بل ورضع- وشيوخ.

لقد صدرت الأوامر لجنود قوات الاحتلال بكسر عظام المتظاهرين عقابًا لهم على قذفهم للجنود بالحجارة، حتى بلغ عدد الجرحى ممن كسرت عظام أطرافهم عمدًا حوالي 17 ألف مصاب، وبلغ عدد الذين اعتقلوا نحو 30 ألف معتقل ومعتقلة، منهم 25 % مِن الأطفال تحت سن 13 سنة، والذين أطلق عليهم: (أطفال الحجارة)، وتم نسف ما لا يقل عن مائة بيت، ترك سكانها في العراء، وتم إبعاد 28 شابًا عن وطنهم، بزعم قيادتهم للانتفاضة، وتعرضت أكثر مِن 200 امرأة فلسطينية مِن الحوامل للإجهاض.

وقد قامتْ إسرائيل بجلب مجموعاتٍ مِن عصابات القتلة المحترفين مِن أمريكا لدعم ميليشيات المستوطنين الإسرائيليين في غاراتهم العدوانية على القرى الفلسطينية، إلى جانب إحراق المئات مِن الهكتارات مِن المزارع الفلسطينية، أو رشها بالمواد الكيماوية السامة، ومصادرة آلاف الدولارات والشيكل (العملة الإسرائيلية) مِن المواطنين الفلسطينيين بدعوى أنهم يقومون بتمويل الانتفاضة بها، وتم زيادة الرسوم المالية على المواطنين الفلسطينيين، وفرض الحصار الاقتصادي عليهم لمنع الغذاء والدواء، والحاجات الأساسية عنهم.

تداعيات الانتفاضة على إسرائيل:

رغم الخسائر الفادحة للفلسطينيين "البشرية والمادية"؛ فقد تحملها الشعب الفلسطيني، أما إسرائيل فرغم كل المحاولات الوحشية لقمع الانتفاضة؛ فقد عانتْ أيضًا مِن تبعات الانتفاضة عليها، فلقد تحولت الانتفاضة إلى ما يشبه حرب استنزاف يصعب على إسرائيل تحمل استمرارها لطبيعتها الاقتصادية والسكانية.

وبلغت الانتفاضة ذروتها في شهر فبراير 1988م، عندما نشر مصور إسرائيلي صور جنود يكسرون أذرع فلسطينيين عُزل باستخدام الحجارة في نابلس؛ تنفيذًا لما هدد به "إسحاق رابين" في الكنيست الإسرائيلي مِن تكسير أيدي وأرجل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة لإيقاف الانتفاضة، بعد أن عجزت القوة العسكرية الإسرائيلية تمامًا في مواجهتها!

وجاء إضراب العمال الفلسطينيين الذين كانوا يمثـِّلون وقتها 11% مِن مجموع الأيدي العاملة في إسرائيل ليكلف الاقتصاد الإسرائيلي خسارة بلغت 13 مليون شيكل يوميًّا.

وقد ذكرت مصادر طبية في إسرائيل أن اثنين مِن بيْن كل ثلاثة مِن الجنود الإسرائيليين الذين كانوا يؤدون الخدمة العسكرية في غزة والضفة الغربية صارا يترددان على العيادات النفسية للعلاج؛ نتيجة الإصابة بحالاتٍ مَرَضِيَّةٍ نفسيةٍ مختلفةٍ؛ بسبب اضطرارهم إلى تنفيذ الأوامر باستخدام أقصى درجات العنف والقمع الوحشي ضد الصبية والشباب الفلسطينيين، حتى إنهم أطلقوا على "إسحاق رابين" -وزير الدفاع في حكومة شامير وقتها- لقب: (جنرال تكسير عظام الأطفال)، بل ذكرت مئات مِن أمهات هؤلاء المجندين للأطباء النفسيين أن كوابيس ثقيلة تهاجم أبناءهم المجندين أثناء النوم؛ مما جعل الأطباء النفسيين يؤكِّدون أن هؤلاء الجنود -المرضى النفسيين- لن يستطيعوا ممارسة مهامهم القتالية بالصورة المطلوبة منهم في حالة نشوب حرب في غضون عامٍ على الأقل.

وقد شهدت الانتفاضة بداية ظهور حركة (حماس) كحركة مقاومة إسلامية تنادي بالجهاد لتحرير كامل فلسطين، وكانت البداية مِن (جباليا) في غزة، ثم انتقلتْ إلى باقي مدن وقرى ومخيمات فلسطين.

تراجع الانتفاضة:

مع دخول عام 1990م بدأتْ مظاهر تراجع الانتفاضة لعوامل عديدة، منها:

1- المعاناة الاقتصادية للفلسطينيين:

فالانتفاضة التي أخذتْ صورة العصيان المدني الشامل أو شبه الشامل لمدة تزيد عن عامين كانت تحتاج إلى دعمٍ ماليٍ كبيرٍ، وأدى عدم وجود هذا الدعم المطلوب إلى مشكلةٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ للفلسطينيين.

ومما زاد مِن ضراوتها:

أ- ضآلة الدعم المادي العربي رغم قرارات دعم الانتفاضة في مؤتمر القمة العربي في الجزائر في يونيو عام 1988م.

ب- تكدس الفوائض مِن المنتجات الزراعية والصناعية الفلسطينية في الأراضي المحتلة، وتفاقم أزمة تسويقها؛ بسبب ضيق السوق المحلية وإغلاق منافذ التسويق الخارجي.

ج- حرمان سكان الأراضي المحتلة مِن التحويلات التي كانت تصلهم مِن أقاربهم وذويهم الذين يعيشون -أو يعملون- في الكويت بسبب الغزو العراقي للكويت في عام 1999م، والتي كانت تمثـِّل دعمًا أساسيًّا لهؤلاء السكان.

2- وساعد على هذا التراجع أيضًا:

أ- تجدد الدعوة إلى عملية السلام في المنطقة وتهيئة الأوضاع للمباحثات حولها.

ب- ظهور فجوة نتيجة الانقسام بيْن الشخصيات الوطنية مِن السياسيين التقليديين والأكاديميين الفلسطينيين -الذين تطلعوا إلى المشاركة الفلسطينية في عملية السلام وإلى الحوار مع أمريكا- وبيْن شباب الانتفاضة الذين يسيطرون على الشارع الفلسطيني.

ج- انصراف الأنظار -إقليميًّا ودوليًّا- فجأة إلى تداعيات الغزو العراقي للكويت عام 1990م، وظهور بوادر نشوب حربٍ كبيرةٍ في منطقة الخليج العربي (حرب الخليج الأولى) نتيجة هذا الغزو.

ومع مرور الوقت تحولت الانتفاضة إلى مواجهاتٍ محدودةٍ بعد أن كانت جماهيرية، أي فقدت طبيعتها الشعبية، وانخفض السقف النضالي في الداخل، ولم يبقَ مِن الانتفاضة إلا محاولات مِن حركة (حماس)؛ لملأ الفراغ الذي تركه خمود الانتفاضة بعملياتٍ مسلحةٍ متفرقةٍ لا تمثـِّل تحديًّا جوهريًّا لسلطة الاحتلال، وفي المقابل طورت سلطة الاحتلال مِن آلياتها في التعامل مع ما بقي منها، في الوقت الذي بدأ التحرك الأمريكي للإعداد لعملية سلامٍ في المنطقة.

وهكذا تبددتْ فرصة تاريخية لتعويض إخفاق الكفاح الفلسطيني المسلح بالبديل الإستراتيجي له، وهو الكفاح المدني الذي توفرت له إمكانيات كبيرة، وفُتحت له آفاق رحبة، ونجح بالفعل في سنته الأولى في تحقيق إنجاز كان كفيلًا بوضع الأساس للتقدم نحو تحقيق نتائج وإنجازاتٍ أخرى هائلة، لكن تجمعت الأحداث وظهرت عوامل كان يمكن تجنبها أو تداركها -عربيًّا وفلسطينيًّا- حالت دون استمرار التقدم في هذا الاتجاه.

ما بعد الانتفاضة:

دخلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية المفاوضات مع الأمريكيين والإسرائيليين مِن موقفٍ ضعيفٍ، بعد تراجع الانتفاضة، والحالة التي كانت عليها الدول العربية مِن الانقسام والتدهور بعد حرب الخليج الأولى، والعزلة التي وصلتْ إليها منظمة التحرير في أعقابها، فبدت وكأنها وحيدة تتفاوض مع أمريكا وإسرائيل، فجاء اتفاق (أوسلو) في عام 1992م أقل بكثيرٍ مِن الحد الأدنى مِن المطالب الفلسطينية!

لقد كان ممكنًا لمنظمة التحرير الوصول إلى ما هو أفضل مِن اتفاق (أوسلو) مِن خلال مفاوضات (مدريد) التي كان وضع المفاوضين الفلسطينيين فيها أفضل مما انتهتْ إليه مفاوضات (أوسلو) السرية، والتي أُعلنت نتائجها فجأة، وتم التوقيع عليها.

درس مستفاد مِن الانتفاضة:

لقد نبهتْ هذه الانتفاضة إلي أهمية العصيان والكفاحي المدني في مواجهة الاحتلال العسكري إذا توفرت له أسباب وجوده، وتوفرت له عوامل استمراره، إن وقوع مثل هذه الانتفاضة حال نشوب حربٍ عربيةٍ إسرائيليةٍ يربك إسرائيل تمامًا، ويعرضها للهزيمة في أي حربٍ تدخلها، فلو تصورنا حدوث مثل هذه الانتفاضة وهذا العصيان المدني مثلًا خلال حرب أكتوبر 1973م لأحدث قطعًا تأثيرًا كبيرًا جدًّا في مجريات الأمور؛ لذا ينبغي وضع هذا الأمر كسلاحٍ يمكن الاستفادة منه في الصراع العربي الإسرائيلي، والإعداد له جيدًا حال استعماله.