إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 19 مارس 2018 - 2 رجب 1439هـ

سورة الإخلاص (8)

كتبه/ رضا الخطيب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زال الكلام موصولًا مع "سورة الإخلاص".

تفسير قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

كل أقوال المفسرين في هذه الآية الكريمة تدور على معنى نفي المماثلة، وأنه -سبحانه- ليس له مثيل، ولا نظير، ولا شبيه.

فعن كعب وعطاء: لم يكن له مثلٌ ولا عَديل. وعن ابن عباس أنه بمعنى: ليس كمثله شيء. وعن مجاهد أي: لا صاحبة له.

وقد جاء نفي الكفؤ والمثل والند والعِدل عن الله؛ فنفي الكفؤ عن الله في: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا).

أما نفي المِثل فقد جاء في: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى:11)، وأما نفي الند ففي: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:22)، وأما نفي العِدل ففي: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (الأنعام:1)، أي: يساوونه بغيره.

ولما كان الله ليس له مثيل ولا عديل؛ فلا يعرف كُنه ذاتِه إلا هو؛ فلا يدرك الإنسانُ كيفية صفات ربه، أو يحيط به علمًا فلا يعلم كيفيته إلا هو،  فغير وارد أبدًا أن يُحاط بالله علمًا، فأي إنسان مهما حاول أن يُعمِل عقله أن يعرف كيفية الله فالله قطعًا بخلاف ما توهمه؛ لأنه -تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، أي: ليس كالله شيء.

فأنتَ تستطيع أن تتصور في خيالك وفي عقلك الشيء الذي رأيته مِن قبْل، فإذا قلتُ لك مثلًا: قلم، كوب، طائرة، سيارة، عمود، حجر؛ فهذه أسماء وألفاظ ، وكلٌ منا في مَخيلته صورة لها فتستطيعون أن تتخيلوها؛ لأنكم رأيتموها، فيستطيع المرء أن يتصورها بالكيفية التي رآها عليها، وأما الله فمتى رآه حتى يتصوره ويكيفه بصورة معينة؟!

إذن، فهذا الأمر في غاية الأهمية، وقد أيأسنا الله مِن تخيل بعض المخلوقات: كالجنة مثلًا، فقد جاء في الحديث: (قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) (متفق عليه)، أي: أنك مهما حاولتَ أن تتخيل نعيم الجنة وما فيها مِن فاكهة ونخيل فلا تستطيع، مع أننا قد رأينا في الدنيا هذه الأشياء، ومع ذلك فالجنة بخلاف ذلك، ولا موافقة بيْن ما في الدنيا وما في الجنة إلا في الأسماء فقط، فإذا كان هذا في المخلوقات فكيف بحق الله؟! فينبغي للإنسان ألا يهدر طاقته العقلية والذهنية في التفكير في شيءٍ، أيأسنا الله مِن أن نصل إليه.

فكيف يعرف العبد ربه -جلَّ جلاله- إذن؟!

إن معرفة الله لا تكون بالعقل، وإنما يعرف الله بالوحي، أي بالكتاب والسُّنة، فنصف الله بما وصف به نفسه في كتابه ووصفه رسوله في سنته مِن غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومِن غير تكييف ولا تمثيلٍ.

فصفات الله وأسماؤه لا يمكن أن يجتهد الإنسان فيها بعقله حتى يصل إليها؛ فكيف لهذا المحدود أن يدرك المطلق سبحانه؟!

إذن، فمعرفة الله لا تكون إلا بالوحي، فيأتي الوحي ويخبرنا عن أسماء الله وصفاته -عز وجل-، وليس الأمر كما يقول بعض الناس: "ربنا عرفناه بالعقل!"؛ إنما بالعقل نتأمل في مخلوقات الله، فنصل بذلك إلى حكمته وعلمه وقدرته، وآيات توحيده، وأما معرفة الله فإنما تكون عن طريق الوحي.

وقضية الأسماء والصفات قضية في غاية الخطورة، فهي أعظم قضية وقع الخلاف فيها بيْن أهل السُّنة وأهل البدع، فهذه القضية لها الأولوية المطلقة، ومع ذلك نسمع البعض يقول: "التوحيد يفرِّق الناس، فدعونا مِن الأمور التي ليس وراءها عمل!"، فالمسكين يظن أن هذا ليس بعمل! أليس القلب إذا عرف الله وصدّق فهذا منه العمل؟! ألم يقل -تعالى-: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة:225)،  فالكسب هو اليقين في القلب، أليس هذا عملًا؟! وأليس هذا تصديقًا؟!

إذن، فهذه السورة هي ثُلُث القرآن، وقد بشَّر الرسول -عليه الصلاة والسلام- ذلك الصحابي الذي كان يختم بها في الصلاة أن الله يحبه؛ لأنه يحب صفة الرب؛ فليس فيها أمر ولا نهي، وإنما فيها خبر عن صفات الله، وما يليق بالله، وما لا يليق بالله، وهذا مما يدل على خطورة موقع قضية معرفة الله مِن الدين.