إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 27 فبراير 2018 - 11 جمادى الثانية 1439هـ

إعراض الفضلاء عن مجاراة السفهاء!

كتبه/ نصر رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن الأدواء التي يُبتلى بها الفضلاء: ابتلاؤهم بمَن لا خلاق لهم مِن الجهلاء والسفهاء الذين يسيئون إليهم بمرذول الكلام, ويوجهون لهم -على جهلٍ- سهام الطعن والملام؛ فالسفيه إنسان ناقص العقل، يتجرأ بالسب والطعن في أهل الفضل.

قال أبو حاتم بن حبّان -رحمه الله-: "مِن علامات الحمق التي يجب على العاقل تَفَقّدُها ممَن خفي عليه أمره: سرعة الجواب, وترك التثبّت, والإفراط في الضحك... والوقيعة في الأخيار والاختلاط بالأشرار. وإن مِن أعظم إمارات الحمق في الأحمق: لسانه؛ فإنه ما خطر على قلبه نطق به لسانه... !".

وسَفِهَ علينا وسَفُهَ؛ جهل فهو سَفِيهٌ. والجمع سُفَهاء، أَي الجُهّال.

والسفه -الجهل- قد يكون بسيطـًا: وهو مَن تكلم فيما لا يحسن، فإذا عُلِّم تعلم، وعاد إلى الصواب.

وقد يكون مركبـًا: وهو الذي لا يَعلم، ويظن أنه يَعلم, ويظن أنَّه الفاهم -وغيره الجاهل!-.

جـهـلـتَ ولـمْ تـدرِ بـأنـك جـاهـلٌ          فمَنْ لي بأنْ تدري بأنكَ لا تدري

كان الخليل بن أحمد يقطع العروض, فدخل عليه ولده في تلك الحالة؛ فخرج إلى الناس, وقال: "أبي قد جُن!", فدخل الناس عليه فرأوه يقطع العروض, فأخبروه بما قال ابنه, فقال له:

لو كـنتَ تَعلمُ ما أقولُ عَذَرْتَني           أو كنتُ أجهلُ ما تقولُ عَذَلْتُكا

لكـنْ جهلتَ مـقـالتي فـعَـذَلْتَني            وعـلِمْتُ أنكَ جاهـلٌ فـعَـذَرْتُـكا

فإذا ابتلي فاضلٌ بسفيه فلا يجاره؛ لأن مجاراة السفيه تقود العاقل إلى مشابهته، والسفيه لا يريد مِن العاقل إلا ذلك؛ لأن السفيه لا يَملك إلا هذه الوسيلة للانتصار لنفسه، ولو كان يعرف مسلكًا غيره لينتصر لسلكه كما يفعل العقلاء؛ فما أحسن الإعراض عن السفيه وسفاهته!

قال الله -تعالى-: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف:199).

قال القرطبي -رحمه الله-: "وفي قوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ): الحض على التعلق بالعلم... والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء... أي: إذا أقمتَ عليهم الحجة, وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك؛ فأعرض عنهم... وهذا وإن كان خطابًا لنبيه -عليه السلام-؛ فهو تأديب لجميع خلقه".

والإعراض عَنِ الْجَاهِلِينَ يكون بالترك والإهمال؛ والتهوين مِن شأن ما يجهلون به مِن التصرفات والأقوال؛ وعدم الدخول معهم في جدالٍ لا ينتهي إلى شيءٍ، إلا إضاعة الوقت والجهد, فمَن أعرض عن السفهاء حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم مِن سماع ما يؤذيه, فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجل على نفسه عزتها, والعرب تقول: "إن مِن ابتغاء الخير اتقاء الشر!".

ونال رجلٌ من عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- فلم يجبه، فقيل له: ما يمنعك منه؟! قال: "التقي ملجم، لا يفعل كلّ ما يريد!".

وعن عثمان بن زائدة، قلتُ للإمام أحمد -رحمه الله-: "العافية عشرة أجزاء, تسعة منها في التغافل. فقال: العافية عشرة أجزاء, كلها في التغافل!".

ومما يعين على الإعراض عن الجاهلين:

1- الترفع عن السباب؛ فذلك مِن شرف النفس، وعلو الهمة، قالت الحكماء: "شرف النفس: أن تحمل المكاره, كما تحمل المكارم", وقال الأصمعي: "بلغني أن رجلًا قال لآخر: والله لئن قلتَ واحدة لتسمعن عشرًا! فقال الآخر: لكنك إن قلتَ عشرًا لم تسمع واحدةً!".

قال العلامة محمد كرد علي -رحمه الله-: "وإذا لاحظ الهجاؤون أن هجاءهم مما تنخلع له قلوب المهجوين زادوا وأفرطوا، وإذا أيقنوا أن صاحب النفس العظيمة لا يأبه كثيرًا لما يُقال فيه؛ يحاذرون صرف أوقاتهم فيما لا يجدي عليهم, وقد رأينا العلي المنزلة النزيه في ذاته لا يعبأ بثرثرة الثرثارين مدحًا كان أم قدحًا!".

2- استحضار أن الإساءة دليلٌ على رفعة شأن المساء إليه وشرفه، وهكذا تجد أصحاب النفوس المريضة إذا لم يستطيعوا أن يصلوا إلى منزلة فاضلٍ؛ فإنهم لا يزالون يكيدون له، ويقدحون فيه, وهذا دليلٌ على علو قدره وشرفه، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "ما كان على أحدٍ نعمة، إلا وجد لها حاسدًا".

ما ضـرني حسد اللـئام ولم يـزل         ذو الفضل يحسده ذوو النقصانِ

فالوضيع لا تلتفت همته إلى مَن كان واقفًا في صفة مِن الأسافل، وإنما تتوجه همته بمجامعها إلى الرجل الكامل، حيث يقصد إنزاله في معتقد الجمهور إلى مدرجته.

3- الاستهانة بالمسيء، فذلك مِن ضروب العزة والأنفة، قال الإمام الذهبي -رحمه الله-: "الجَاهِلُ لاَ يَعلَمُ رُتْبَةَ نَفْسِه، فَكَيْفَ يَعْرِفُ رُتْبَةَ غَيْرِهِ!".

أوَكلما طَنَّ الذبابُ طردتُه                 إن الذبابَ إذًا عـليَّ كـريمُ

وأكثر رجلٌ مِن سب الأحنف وهو لا يجيبه، فقال الساب: "والله ما منعه مِن جوابي إلا هواني عليه!".

وسب رجلٌ ابن هبيرة فأعرض عنه، فقال: "إياك أعني! فقال له: وعنك أعرض!".

وقال الأعمش: "السُّكُوْتُ جَوَابٌ".

وأنشد رجل مسعر بن كدام:

لا تُرْجِعَنَّ إِلَى السَّفِيْهِ خِطَابَهُ             إِلاَّ جـَـوَابَ تـَحِــيَّـةٍ حـيَّـاكـَهَا

فـَمَـتَى تُـحَـرِّكـَهُ تُحَرِّكَ جِيْفَةً              تَزْدَادُ نَتْناً إِنْ أَرَدْتَ حـِرَاكَـهَا

4- أن يستحضر أن مجاراة السفهاء شر وبلاء؛ فهناك مَن إذا ابتلي بسفيه ساقط، لا خلاق له، ولا مروءة فيه, أخذ يجاريه في سفهه وقيله وقاله؛ مما يجعله عرضة لسماع ما لا يرضيه مِن ساقط القول ومرذوله، فيصبح بذلك مساويًا للسفيه؛ إذ نزل إليه، وانحط إلى رتبته, قال الأحنف بن قيس: "مَن لم يصبر على كلمة سمع كلمات، ورب غيظٍ تجرعته مخافة ما هو أشد منه!".

فلا يُظن أن الإعراض عن الجاهل والإغضاء عن إساءته مع القدرة عليه موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء, فهذا خطأ؛ ذلك أن العفو والحلم لا يشتبه بالذلة بحال، فإن الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب الكرامة؛ أما الحلم فهو إغضاء الرجل الفاضل عن المكروه، حيث يزيده الإغضاء عند الله قربًا, وفي أعين الناس رفعة, فالعفو إسقاط حقك جودًا، وكرمًا وإحسانًا، مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك؛ رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق.