إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 27 فبراير 2018 - 11 جمادى الثانية 1439هـ

"الكورتيزون" السياسي.... الواقع المصري أنموذجًا!

كتبه/ نزيه رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ"الكورتيزون": عقار طبي مشهور، له فوائده واستخداماته الهامة في علاج كثيرٍ مِن الإمراض، وكذلك له أعراضه ومساوئه الجانبية، والتي تتفاوت باختلاف الجرعة ومدة العلاج، وطبيعة المريض وحالته الصحية.

وعلى الرغم مِن أنه مثله مثل أي دواء له ميزاته وعيوبه، كما أن عيوبه تكثر بسبب سوء الاستخدام؛ إلا أننا نجد ردَّ فعلٍ متفاوتٍ مِن المرضى المثقفين تجاه الطبيب حينما يصف لهم الكورتيزون كعلاج!

فنجد متشددين متشنجين، يرفضون الكورتيزون مهما كان السبب! ومهما شرحتَ ووضحت أنه مهم لعلاج المريض، وأنه في كثيرٍ مِن الحالات يكون التغاضي عن ضرره بسبب أن تركه يسبب كارثة أشد مِن ضرر استعماله بكثير كما أنه في بعض الأحيان مثل حالات الخناق، ربما يكون منقذًا لحياة المريض.

وعلى النقيض: هناك مرضى آخرون يسرفون في استخدام الكورتيزون، مستغلين تأثيره القوي الذي يلبي رغبتهم في سرعة الشفاء ولو ظاهريًّا متناسين أنه يفت في عظامهم وعضلاتهم ويدمر في أنسجتهم، وبيْن هؤلاء وهؤلاء فئة ناضجة راقية، توازن الأمور؛ فلا هي ترفض الكورتيزون ولا تسرف فيه، إنما تستخدمه بحكمةٍ وفهمٍ طبقًا لتعليمات الطبيب، وربما يتحملون أضراره؛ رجاء منفعة أكبر أو دفع لضرر أشد.

كذلك ربما نجد فئة مِن الأطباء تسرف فيه رغبة في إزالة ألم المريض حتى ولو كان له ضرره بعد ذلك، وفئة يتشددون فيه، وبينهم فئة -وهي الأكثر- تتبع التشخيص وسبل العلاج السليمة، فيصفون الكورتيزون وفقًا للحالة ومدى احتياجها له، مع مراعاة الضرر.

كذلك الواقع السياسي كثيرًا ما تكون القرارات والاختيارات مركبة؛ لا هي مفيدة فائدة تامة، ولا هي مضرة ضررًا تامًّا؛ إنما لها مميزات وعيوب، بل إن اتخاذ القرار ربما يكون أحيانًا أقل عيبًا مِن تركه أو أقل ضررًا، والعكس، شأنه شأن عقار الكورتيزون الطبي -كما ذكرنا-؛ لا هو مفيد تمامًا كالفيتامينات مثلًا، ولا هو مضر تمامًا كالمخدرات، إنما له ميزات وعيوب.

لذا أحببتُ أن أسمي هذه القرارات والمواقف المركبة بـ(الكورتيزون السياسي)، وهذه المواقف متكررة بصفةٍ دائمةٍ في الواقع السياسي على مستوى العالم، لكن إذا اتخذنا الواقع المصري أنموذجًا؛ خصوصًا في الآونة الأخيرة وجدنا تكرار هذه المواقف أو الكورتيزون السياسي، وتبيَّن لنا أن الشخصيات أو الأحزاب أو الجماعات أو الفئات أو المجموعات التي تعاملت مع هذا الواقع لا تخرج عن إحدى ثلاث صور:

الأول: فريق رفض الكورتيزون رفضًا تامًّا، وشدد على عدم استعماله مهما حدث، ومهما كانت العاقبة حتى ولو كانت أرواحهم الثمن، بل وزاد الطين بللًا بأن سبَّ وقذف كل مَن خالفه وعنفهم بأشد وأقبح الألفاظ حتى جعل الخلاف حول الكورتيزون خلافًا بيْن طرفي الكفر والإيمان، ثم مضي في طريقه غير مكترث بتدهور حال أتباعهم وضياع صحتهم وتشرذمهم، بل وفقد حياتهم جراء العند، ثم لما أدركهم الغرق وظنوا أنه لا محيص، قالوا: ائتوا لنا بأي عقار غير الكورتيزون نقبله أو غيروا اسمه أو شكله أو ائتونا بكورتيزون مِن جنسه أو فصيله، فقط غيروا فيه أي شيء! وهيهات، هيهات... وبعد فوات الأوان، فلم -ولن- يفلح طلبهم، وغالب ظني أنهم سيقبلون به كما هو على صورته التي رفضوها، وأنها مسألة وقت، ولكن بعد فوات الأوان، ولو كان لهم ما يحفظ وجوههم لفعلوه دون تردد.

وأما الفريق الثاني: فهؤلاء استعملوا الكورتيزون بسببٍ وبغير سببٍ، وأسرفوا فيه بلا داعٍ أو مبررٍ، وكلما سألتهم، قالوا لك: هو أحسن مِن غيره، ويكفي أنه خلصنا مِن الوجع (وأي حاجة بس نخلص مِن الأدوية الأخرى!)، ولم ينتبهوا لأعراضه ومضاعفاته، بل حولوا عيوبه إلى مميزات -في ظنهم-، وصاروا يتباهون بها؛ فخيل لهم تكسير العظام أنه دفعة للأمام، وتصوروا الهدم بناءً، وهؤلاء -إلا مِن رحم ربي- يبقون هكذا مع كل موقف، ومع كل مسئول أو متبع!

والفريق الثالث: بينهم لا هم منعوه، ولا أسرفوا فيه، بل رجعوا إلى العلم والخبرة والواقع فتعاملوا معه بحسبه، أخذوا المميزات وطوروها، ونبهوا على العيوب وحاولوا علاجها وتفاديها؛ فلا هم ألقوا بأيديهم إلى التهلكة مِن أجل مكسبٍ سياسي، ولا أسرفوا في تغافل العيوب والظلم والخلل؛ حاولوا جاهدين البناء والعمل والمشاركة في حدود المتاح، ووفق ما تمليه المبادئ والقواعد، فمثلهم مثل الطبيب الحاذق الذي وصف الكورتيزون في حالته بجرعته ومدته دون تفريطٍ أو إفراطٍ؛ دون منع فيهلك المريض، أو إسراف فتزداد مضاعفات الدواء لتكون معولًا للهدم بجانب المرض الأصلي.

ورغم أن ما فعلوه هو عين العقل والشرع لا تجدهم يسلمون مِن ألسنة الفريقين السابقين؛ فالأول رماهم بالانبطاح لمجرد استعمالهم الكورتيزون، والآخر رماهم بعدم الوطنية؛ لأنهم لم يسرفوا فيه، وإنك لتعجب أشد العجب أن يُتهم فريق بتهمتين عكس بعض تمامًا في نفس الوقت، وعلى نفس الفعل! وهذا إن دل على شيءٍ إنما يدل على صحة موقفهم ووسطيتهم، فدائمًا أهل الحق منكرون مِن الجميع.

وأحب في هذا المقام أن أوجِّه التحية لهذا الفريق على تقديمهم الحق والقواعد على الأهواء رغم ما نالهم مِن سبٍّ وقذف، أحييهم تحية إجلال وتقدير على وطنيتهم وشجاعتهم وحرصهم على بلدهم؛ إضافة إلى تمسكهم بمبادئهم وأهدافهم، فلم يصفقوا لباطل، ولم تتصيدهم شباك العنف ليدمروا أوطانهم، إنما أنكروا الظلم، وفضَّلوا مصلحة الوطن والأمة، وكانوا ضد تفككها وهدمها.

تحياتي لهذا الفريق... تحياتي لـ"حزب النور".