إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 26 فبراير 2018 - 10 جمادى الثانية 1439هـ

الحاكم العادل ومسؤوليته

كتبه/ حسني المصري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جاء فيما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مِن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة: "الإمام العادل"، وكان الإمام العادل أول هؤلاء السبعة، وذكر بعده أصنافًا مِن الناس، وهم: (شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) (متفق عليه).

والمتأمل لنص الحديث يجد أنه -صلى الله عليه وسلم- بدأ بالإمام العادل، والمقصود به هنا الحاكم المسلم الذي يحكم بالعدل بيْن رعيته، وجاءت بعده الأصناف الأخرى، وكأن في ذلك إشارة لطيفة إلى أن العدل مِن الحاكم المسلم سيترتب عليه وجود الأصناف الأخرى في المجتمع، فبوجود العدل سينتشر الصلاح بيْن الشباب وسينشئون في طاعة الله إذ ليس هناك ما يدعو للانحراف في المجتمع إلا مَن كان ذلك في طبعه هو، وبالعدل سيفشو حب الإيمان بيْن الناس، وستتعلق قلوب الرجال بالمساجد، وليس بالمقاهي والملاهي والكافيهات!

ولأن ببسط العدل بيْن الناس لا يستطيع أحدٌ أن يستولي أو يسطو أو يغتصب أو يختلس ما ليس له؛ فلن تكون هناك أحقاد وبغضاء؛ وعليه يتحاب الناس في الله، ووالله بوجود العدل سيجد كل راغب في العفة والستر طلبته، فأمر الزواج ميسر والإحصان متاح، فلن تستهوي الشهوة إلا مَن انتكست فطرته، فإن دعت الإنسان امرأة ولو كانت صاحبة منصب أو تتمتع بجمال الخلقة فسينصرف عنها دون اكتراث كل صاحب فطرة سليمة، وخلق قويم.

وكذلك فيما بقي مِن أصناف.

فتأمل كيف يصنع العدل في المجتمع مِن إشاعة الأمن والإيمان والأمان، والطهر والعفة والستر، والحب والمودة بيْن أفراد المجتمع، والتي تغرس فيهم الانتماء حتى لا يستطيع مغرض أو عدو أن يفسد بلادهم أو يغتصب حقوقهم أو يحتل بلادهم، فيكونون يدًا واحدة على أعدائهم؛ ناهيك عن تكافلهم وتعاونهم، وجدهم وبذلهم مِن أجل رفعة وتقدم أمتهم ومجتمعهم.

وعليه فإن حاجة الناس إلى عدل الحاكم أعظم مِن حاجتهم إلى طعامٍ أو شرابٍ، وبعدل الحاكم تنجو الأمم، وتتقدم الشعوب وتوأد الفتن، ويندحر العدو، ويتعاضد أبناء الأمة الواحدة؛ فيكونون كالجسد الواحد يشد بعضه بعضًا.

فهل يعي حكامنا مسؤوليتهم أمام الله وأمام الشعوب؟!

ويا له مِن أجرٍ عظيم، ومنزلة رفيعة أن يكون الإمام العادل في مقدمة الأصناف الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

فاللهم ارزق أمتنا بولاة وحكام يقيمون العدل فيها، فينصرون دين الله وينصرهم الله.