إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 24 فبراير 2018 - 8 جمادى الثانية 1439هـ

ربما صحت الأجسام بالعلل! (2)

كتبه/ رجب صابر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أن الشرَّ الذي يقدِّره الله -تعالى- يكون في طياته خير حتى لو لم يظهر ذلك لنا، وذكرنا دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة، وفيه: (لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ) (رواه مسلم).

وأن للمتنبي بيت شعر صار مثلًا فيه شيء مِن هذا المعنى، قال:

لعـل عـتـبـك محمود عـواقـبه            فربما صحت الأجسام بالعلل!

وفيما يلي أمثلة تُبيِّن أن الله يقدِّر الشر وفي طياته خير، سواء ما يتعلق بالأمم والشعوب أو يتعلق بالأفراد، وسواء في أمور الدنيا أو أمور الدين.

أولًا: أمثلة على ذلك في شأن الأمم والشعوب:

1- أمور الدين في شأن الأمم والشعوب:

قال الله -تعالى- في شأن يوم أُحد: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (آل عمران:152-153).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "أخبرهم أنه صدقهم وعده في نصرتهم على عدوهم، وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة، ولزوم أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقوا مركزهم، فانخلعوا عن عصمة الطاعة، ففارقتهم النصرة، فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاءً، وتعريفًا لهم بسوء عواقب المعصية، وحسن عاقبة الطاعة، ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ذلك كله، وأنه ذو فضل على عباده المؤمنين.

قيل للحسن: كيف يعفو عنهم، وقد سلَّط عليهم أعداءهم حتى قتلوا منهم مَن قتلوا، ومثـَّلوا بهم، ونالوا منهم ما نالوه؟ فقال: لولا عفوه عنهم لاستأصلهم، ولكن بعفوه عنهم دفع عنهم عدوهم بعد أن كانوا مجمعين على استئصالهم" (زاد المعاد 3/ 226-228).

ثم قال ابن القيم -رحمه الله-: "ثم ذكرهم بحالهم وقت الفرار مصعدين، أي: جادين في الهرب والذهاب في الأرض، أو صاعدين في الجبل لا يلوون على أحد مِن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابهم، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يدعوهم في أخراهم: "إليَّ عباد الله، أنا رسول الله!"، فأثابهم بهذا الهرب والفرار غمًّا بعد غمٍّ: غم الهزيمة والكسرة، وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمدًا قد قتل".

ثم قال ابن القيم -رحمه الله-: "والمعنى: أثابكم غمًّا متصلًا بغمٍّ، جزاء على ما وقع منهم مِن الهروب، وإسلامهم نبيهم -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وترك استجابتهم له وهو يدعوهم، ومخالفتهم له في لزوم مركزهم، وتنازعهم في الأمر، وفشلهم، وكل واحد مِن هذه الأمور يوجب غمًّا يخصه، فترادفت عليهم الغموم كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها، ولولا أن تداركهم بعفوه لكان أمرًا آخر.

ومِن لطفه بهم، ورأفته، ورحمته: أن هذه الأمور التي صدرت منهم، كانت مِن موجبات الطباع، وهي مِن بقايا النفوس التي تمنع مِن النصرة المستقرة، فقيَّض لهم بلطفه أسبابًا أخرجها مِن القوة إلى الفعل، فترتب عليها آثارها المكروهة، فعلموا حينئذٍ أن التوبة منها والاحتراز مِن أمثالها ودفعها بأضدادها أمر متعين، لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشد حذرًا بعدها، ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها. وربما صحت الأجسام بالعلل".

2- في أمور الدنيا في شأن الأمم والشعوب:

قال ابن خلدون في تاريخه في حديثه عن حركة بعض السلاطين إلى قابس: "ونزل على قابس، وقد استعد لها وجمع الآلات لحصارها فاكتسح نواحيها وجثم عليها بعساكره يقاتلها، ويقطع نخيلها حتى أعاد الكثير مِن ألفافها براحا وموّج الهوى في ساحته فصح إذ كانوا يستوخمونه لاختفائه بيْن الشجر في مكاثف الطلال، وما يلحقه في ذلك مِن التعفن فذهب عنها ما كان يعهد فيها مِن ذلك الوخم رحمة مِن الله أصابتهم مِن عذاب هذا السلطان. وربما صحت الأجسام بالعلل" (ديوان المبتدأ والخبر 6/ 576).

ثانيًا: أمثلة على ذلك في شأن الأفراد:

1- في أمور الدين في شأن الأفراد:

قال ابن القيم -رحمه الله-: "فلله كم مِن تقدير الذنب مِن حكمة، وكم فيه مع تحقيق التوبة للعبد مِن مصلحة ورحمة، التوبة مِن الذنب كشرب الدواء للعليل، ورب علة كانت سبب الصحة:

لعـل عـتـبـك محمود عـواقـبه            فربما صحت الأجسام بالعلل!

لولا تقدير الذنب هلك ابن آدم مِن العجب؛ ذنب يذل به أحب إليه مِن طاعة يدل بها عليه" (الفوائد، ص 92).

وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في "طريق الهجرتين" قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب، وذكر أن الناس في البلوى التي تجري عليهم أحكامها بإراداتهم وشهواتهم متفاوتون -بحسب شهودهم لأَسبابها وغايتها- أَعظم تفاوت"، ثم أطال الحديث في ذلك إلى أن قال: "أن يكون في القلب أَمراض مزمنة لا يشعر بها، فيطلب دواءَها فيمُنُّ عليه اللطيف الخبير، ويقضي عليه بذنب ظاهر فيجد أَلم مرضه؛ فيحتمي ويشرب الدواء النافع، فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها، ومَن لم يشعر بهذه اللطيفة؛ فلِغلظ حجابه كما قيل:

لعـل عـتـبـك محمود عـواقـبه            فربما صحت الأجسام بالعلل!"

وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا: "قالوا: وأيضًا فالذنب بمنزلة المرض، والتوبة بمنزلة العافية، والعبد إذا مرض ثم عوفي وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت، بل ربما ترجع أقوى وأكمل مما كانت عليه؛ لأنه ربما كان معه في حال العافية آلام وأسقام كامنة، فإذا اعتلَّ ظهرت تلك الأسقام ثم زالت بالعافية جملةً فتعود قوته خيرًا مما كانت وأكمل، وفي مثل هذا قال الشاعر:

لعـل عـتـبـك محمود عـواقـبه            فربما صحت الأجسام بالعلل!"

2- في أمور الدنيا في شأن الأفراد:

قال المناوي -رحمه الله- في حديثه عن الحمى: "قال المصنف: هي طهور مِن الذنوب وتذكرة للمؤمن بنار جهنم كي يتوب، لها منافع بدنية ومآثر سنية فإنها تنقي البدن وتنقي عنه العفن، رب سقم أزلي ومرض عولج منه زمانا وهو ممتلئ فلما طرأت عليه أبرأته فإذا هو منجلي. وربما صحت الأجساد بالعلل. وذكروا أنها تفتح كثيرًا مِن السدد، وتنضح مِن الأخلاط والمواد ما فسد، وتنفع مِن الفالج واللوقة والتشنج الامتلائي والرمد" (فيض القدير 3/ 420).

وقال السفاريني -رحمه الله-: "وذكر الحافظ جلال الدين السيوطي في ثمار منتهى العقول في منتهى النقول أن منتهى الحشرات عقرب اسمها كرورًا، وتسمى الجرارة إذا لدغت ثعبانًا قدر النخلة الباسقة يذوب جسمه مِن لدغتها. تموت الأفاعي مِن سموم العقارب. قال: وقدر جسم هذه العقرب ثلاث أرزات موزونات في ميزان الذهب، ولدغت هذه العقرب طست نحاس فغسل بالطين مرات فسقطت يد الذي غسله؛ لأنه كان لا يغسل إلا بعد أن يوضع في النار على كير الحداد أو النحاس حتى يذهب أثره بزوال جسم مِن النحاس، قال: وهذه العقارب بالكثرة في عسكر مكرم. ولدغت إنسانًا به الفالج فعوفي وخلص منه. وربما صحت الأجسام بالعلل" (غذاء الألباب 2/ 42). والفالج: شلل يصيب أحد شقي الجسم طولًا كما في المعجم الوسيط (مادة: فلج).

وإليك قصة الكوخ المحترق التي يحسن ذكرها في هذا المعنى: "هبت عاصفة شديدة على سفينة في عرض البحر فأغرقتها ونجا بعض الركاب، منهم رجل أخذت الأمواج تتلاعب به حتى ألقت به على شاطئ جزيرة مجهولة ومهجورة، ما كاد الرجل يفيق مِن إغمائه ويلتقط أنفاسه، حتى سقط على ركبتيه وطلب مِن الله المعونة والمساعدة، وسأله أن ينقذه مِن هذا الوضع الأليم.

مرَّت عدة أيام كان الرجل يقتات خلالها مِن ثمار الشجر وما يصطاده مِن أرانب، ويشرب مِن جدول مياه قريب، وينام في كوخ صغير بناه مِن أعواد الشجر ليحتمي فيه مِن برد الليل وحر النهار. وذات يوم أخذ الرجل يتجول حول كوخه قليلًا ريثما ينضج طعامه الموضوع على بعض أعواد الخشب المتقدة، ولكنه عندما عاد فوجئ بأن النار التهمت كل ما حولها. فأخذ يصرخ: لماذا يا رب؟ حتى الكوخ احترق، لم يعد يتبقى لي شيء في هذه الدنيا وأنا غريب في هذا المكان، والآن أيضًا يحترق الكوخ الذي أنام فيه، لماذا يا رب كل هذه المصائب تأتى عليَّ! ونام الرجل مِن الحزن وهو جوعان، ولكن في الصباح كانت هناك مفاجأة في انتظاره، إذ وجد سفينة تقترب من الجزيرة وتنزل منها قاربًا صغيرًا لإنقاذه.

أما الرجل فعندما صعد على سطح السفينة أخذ يسألهم كيف وجدوا مكانه؟ فأجابوه: لقد رأينا دخانًا، فعرفنا أن شخصًا ما يطلب الإنقاذ! فسبحان من علِم بحاله ورآى مكانه، سبحانه مدبر الأمور كلها مِن حيث لا ندري ولا نعلم، إذا ساءت ظروفك فلا تخف، فقط ثِق بأن الله له حكمة في كل شيء يحدث لك وأحسن الظن به" (انتهى مِن كتاب ابتسم للحياة، د.عبد الكريم القصير، ص53-54).

سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنتَ، أستغفرك وأتوب إليك.