إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 24 فبراير 2018 - 8 جمادى الثانية 1439هـ

إلى أخي الفقير!

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جعل الله -عز وجل- الأجر العظيم والفضل الكبير للفقير الصابر؛ فأبشر أخي الفقير، وتعالَ معي نطالع هذه الفضائل:

الفضيلة الأولى: الفقراء هم أكثر أتباع الأنبياء:

لقد أحجم أكثر الأغنياء عن طاعة الأنبياء ففاز بها الفقراء، فكانوا أكثر أتباع الأنبياء على مرِّ الزمان، والأدلة على ذلك كثيرة، منها ما جاء في حديث أبي سفيان مع هرقل: "وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ" (رواه البخاري). أي: أن أتباع الأنبياء أكثرهم الفقراء، وهرقل كان يقرأ في كتب السابقين، ويعلم ما كان مِن قصص المتقدمين.

ولو أننا نظرنا واستقرأنا تاريخ الأنبياء وأحوال الزمان؛ لوجدنا أن هذه سنة كونية ماضية (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (الشعراء:111)، بل إن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كلهم كانوا مِن الفقراء ولم يُستثنَ إلا سليمان، وجزء مِن حياة يوسف، قال رسول الله: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ») (رواه البخاري)، وهذه وظيفة معلوم على مرِّ التاريخ أنه لا يتولاها الكبراء ولا الأشراف؛ إنما يتولاها الفقراء.

الفضيلة الثانية: الفقراء هم أول مَن يَرِد حوض النبي -صلى الله عليه وسلم-:

إن الناس يوم القيامة يقفون موقفًا عظيمًا شديدًا على النفوس، يشتد فيه عطشهم ويطول فيه زمان وقوفهم، فيصيبهم ما يصيبهم مِن العرق والعطش، ثم ينصرف المؤمنون بعد ذلك مِن هذا الموقف فيكون مما يلاقيهم مِن الخير، أن ينصرفوا إلى حوض النبي ليشربوا بعد عطش يومٍ طويلٍ، فيكون أول مَن يَرِد هذا الحوض الفقراء مِن بيْن سائر المؤمنين، قال النبي: (إِنَّ حَوْضِي مَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى أَيْلَةَ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، أَكَاوِيبُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَوَّلُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، الدُّنْسُ ثِيَابًا، وَالشُّعْثُ رُءُوسًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ، وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

وإذا سبق فقراء المهاجرين، تبعهم فقراء المسلمين عمومًا، فكانوا أول مَن يدخل كذلك مِن باب التكريم والمكافئة على صبرهم، ولما سمع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث، وكان أميرًا متنعمًا، وكان رجلًا صالحًا، بكى؛ لظنه فوات ذلك. ثم قال: "لَكِنِّي نَكَحْتُ المُتَنَعِّمَاتِ، وَفُتِحَ لِيَ السُّدَدُ، وَنَكَحْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ المَلِكِ، لَا جَرَمَ أَنِّي لَا أَغْسِلُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ، وَلَا أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حَتَّى يَتَّسِخَ!"؛ كل ذلك رجاء أن يكون مع الفقراء على حوض النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الفضيلة الثالثة: الفقراء أول مَن يجوز الصراط:

الصراط منصوب على متن جهنم، فيمر الناس كل بحسب عمله، وأول مَن يجوز على الصراط إلى الجنة هم الفقراء، كما روى الإمام مسلم في صحيحه: أن يهوديًّا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: (فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ).

وكما نبهْنا في حديث الحوض؛ فليس المقصود حصر ذلك في فقراء المهاجرين، وإنما مفهوم الحديث أن الفقراء يتقدمون، وأن أعظم الفقراء هم فقراء الصحابة؛ لوجود الوصفين المتلازمين: "الفقر والصبر".

الفضيلة الرابعة: الفقراء يسبقون الأغنياء في دخول الجنة:

إذا كان دخول الناس الجنة كان السبق للفقراء، فإنهم لما كانوا متأخرين في مظاهر الدنيا ومتاعها، قدَّمهم الله في الآخرة لما كان مِن صبرهم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال: (تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: أَيْنَ فُقَرَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ وَمَسَاكِينُهَا؟ قَالَ: فَيَقُومُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا عَمِلْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا ابْتَلَيْتَنَا فَصَبَرْنَا، وَآتَيْتَ الأَمْوَالَ وَالسُّلْطَانُ غَيْرَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: صَدَقْتُمْ، قَالَ: فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّاسِ، وَيَبْقَى شِدَّةُ الْحِسَابِ عَلَى ذَوِي الأَمْوَالِ وَالسُّلْطَانِ) (رواه الطبراني وابن حبان، وحسنه الألباني).

فكيف بك إذا صرت إلى الجنة أيها الفقير قبْل الناس بخمسمائة عام؟! نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا وإياكم الجنة.

الفضيلة الخامسة: الفقراء هم أكثر أهل الجنة:

- الفقراء يسبقون الأغنياء في الجنة وهم كذلك أكثر أهل الجنة! فلما كانوا في الدنيا محرومين مِن التملك ولا يملكون شيئًا، ملَّكهم الله أعظم ما يُمتلك وأعظم ما يورث، قال رسول الله: (قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ) (متفق عليه)، ومرَّ النبي بقوم مِن أصحابه الفقراء فنظر إليهم، وقال: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ لَأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً!) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

ولذا إن أردت أيها الفقير هذه الفضائل؛ فاعلم أن لها آدابًا وأسبابًا لابد أن تأتيها؛ فما هي هذه الآداب! وما هي هذه الأسباب؟

هذا موضوع حديثنا في المرة القادمة -إن شاء الله-.