إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 22 فبراير 2018 - 6 جمادى الثانية 1439هـ

مِن جهود "الأزهر" لدعم القضية الفلسطينية

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن دور "الأزهر" -جامعة ومؤسسة- في حفظ القرآن الكريم وعلومه، وتعليم الشرع وفنونه، والوعظ والإرشاد، والنصح والتوجيه للأمة مِن خلال علمائه وشيوخه لا يقل أهمية عن دور الجندي الذي يحمل سلاحه يزود به عن الأرض والعِرض، ويحمي الاستقرار والأمن.

ومؤتمر نصرة القدس الذي أقامه "الأزهر الشريف" في القاهرة في يناير 2018م -وضم وفودًا مِن 86 دولة عربية وإسلامية جاءوا استجابة لدعوة شيخ الأزهر الدكتور "أحمد الطيب"- لم يكن أول ما قدَّمه الأزهر للقضية الفلسطينية، التي تعد قضية محورية لمصر والعرب وسائر المسلمين؛ فلقد سبق ذلك الكثير مِن الجهود العظيمة للأزهر الشريف ومشايخه الأجلاء في نصرة القضية الفلسطينية عبْر العقود الماضية، والتي تعبِّر -بحق- عن مكانة الأزهر ومشايخه الرفيعة، وتبنيه لقضايا الإسلام والمسلمين، وتعبيره عن نبض الشعب المصري والشعوب الإسلامية جمعاء.

ونذكر هنا في عجالة صورًا وأمثلة مِن هذه الجهود المشكورة:

الأزهر وثورة "البراق" 1929م:

بدأ الاهتمام المعلن بقضية القدس وفلسطين داخل مصر -والأزهر خاصة- مع ثورة الفلسطينيين عام 1929م، بسبب حادثة حائط البراق التي أثارتْ مشاعر المصريين الدينية، حيث وقعت أحداث دامية أشعلت ثورة لم تنتهِ إلا بإقرار حق الفلسطينيين والمسلمين الديني والتاريخي في حائط البراق.

وحائط البراق هو السور الغربي مِن المسجد الأقصى المبارك، وهو مِن الأوقاف الإسلامية عبْر قرونٍ طويلةٍ، ولكن في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين وفتح سلطات الانتداب الباب على مصراعيه للهجرة اليهودية إلى فلسطين تمهيدًا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين تنفيذًا لوعد بلفور طمع اليهود في السيطرة على هذا الحائط، الذي يزعمون كذبًا وزورًا أنه مِن بقايا هيكل سليمان؛ لذا فهم يزورونه ليتباكوا عنده ويقيموا شعائر دينية لهم، و يسمونه: (حائط المبكى!)، مع أن الحفائر وأعمال التنقيب حول المسجد وفي القدس لم تثبت ما يدعيه هؤلاء اليهود، بل تكذبه تمامًا، إذ لا يوجد أي أثر يهودي في القدس خاصة يشير إلى هيكلهم، وإنما هو المسجد الأقصى، والذي وجد المسلمون بقاياه وسوره فأعادوا -بفضل الله- بناءه ليؤمه الموحدون للصلاة، والتقرب إلى الله -تعالى- فيه.

- في 7 ربيع أول 1348 هجريًّا - 14 أغسطس 1929م، قام اليهود في (تل أبيب) في أعقاب أحد المؤتمرات الصهيونية العالمية في أوروبا -والتي حرَّضت اليهود على الاستيلاء على حائط المبكى- بمظاهراتٍ تطوف بالمدينة رافعين أعلامهم هاتفين: (الحائط حائطنا!)؛ منددين بسلطة الانتداب البريطاني والتي نزعت ستارًا وضعه اليهود على حائط البراق في ربيع الآخر 1347هجريًّا - أغسطس 1928م تجنبًا لإثارة مشاعر المسلمين؛ إذ إن الحائط مِن أوقاف المسلمين الذين سمحوا مِن قبْل لليهود بزيارة مكان الحائط دون إحداث تغيير فيه.

وامتدت المظاهرات اليهودية إلى مدينة القدس، حيث بالغ المتظاهرون في الإساءة للفلسطينيين بعد يومين، وبعد صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى وجد المصلون مكان الحائط يغص باليهود المتظاهرين، فوقع الصدام بينهما.

وامتدت التظاهرات اليهودية إلى بعض المدن الفلسطينية الأخرى، وازداد الصدام نتيجة الاستفزاز اليهودي مِن جهة والعاطفة الدينية عند الفلسطينيين الذين يرفضون سيطرة اليهود على الحائط أو إحداث أي تغيير في مكانه مِن جهةٍ أخرى؛ مما ترتب عليه سقوط قتلى وجرحى مِن الطرفين، رغم محاولة سلطة الانتداب البريطانية الحيلولة دون ذلك، حيث إنها المسئولة على حفظ الأمن في البلاد.

ومِن باب الاهتمام المصري بالقضية قام الأمير (عمر طوسون ) بصفته الرئيس الأعلى للجنة (عمارة الحرم المقدس في الديار المصرية) بإرسال برقية احتجاج إلى الحكومة البريطانية مطالبًا بمنع اليهود مِن إجراء أي تغيير حول المسجد الأقصى.

ومِن موقع الشعور بالمسئولية أعلن شيخ الأزهر وقتها -الشيخ مصطفى المراغي-  تحذيره للسلطات البريطانية مِن مغبة ما يقوم به اليهود، كما تعرض علماء الأزهر وشيوخه في حلقات دروسهم بالأزهر لهذا الحادث، ومعلوم أن بالأزهر طلابًا مِن مختلف دول الإسلامية، مما كان له أثره في نشر الاهتمام بالقضية الفلسطينية مِن بدايتها في العالم الإسلامي، بل إن طلابًا فلسطينيين كانوا يدرسون بالأزهر وقتها أصبحوا بعد سنوات قلائل مِن زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية.

وقد أعقب ذلك تشكيل لجنة دولية للنظر في أسباب ثورة الفلسطينيين، فقامت اللجنة بزيارة القدس ومناقشة الأوضاع وسماع الشهود مِن الجانبين، ثم أصدرتْ حكمها النهائي بحق المسلمين وحدهم -دون اليهود- بحائط البراق حيث أنه جزءٌ مِن المسجد الأقصى، وكذلك المكان بجواره حيث أنه مِن الأوقاف الإسلامية.

الأزهر و ثورة 1936م:

شهدت فلسطين ثورة شعبية ضد الإنجليز و اليهود معا في عام 1936م، حيث لم يجد الفلسطينيون بد من مواجهة الموجات المتعاقبة من اليهود المهاجرين ومواجهة تواطؤ الإنجليز معهم بتسهيل هجرتهم و امتلاكهم الأراضي، واستمرت الثورة لمدة ثلاث سنوات رغم ما لاقته من استخدام قوات الانتداب البريطانية القوة المفرطة تجاه الفلسطينيين لإخمادها. وكانت أخبار الثورة و طول زمنها وبطولاتها و أخبار الشراسة التي تواجهها بها قوات بريطانيا مثار اهتمام الشعب المصري وعلماء الأزهر وطلابه.

وفي الثاني مِن ذي القعدة 1354 هجريًّا - الثامن مِن فبراير 1936م، أرسل الطلبة الفلسطينيون الدارسون بالأزهر عريضة إلى وزارة المستعمرات البريطانية، تتضمن استنكارهم للممارسات العدوانية البريطانية، والمطالبة بمنح الفلسطينيين حقهم في الاستقلال، ووقف الهجرة اليهودية واستيلاء اليهود على الأراضي العربية.

وقد قام "مصطفى النحاس باشا" رئيس الحكومة المصرية والشيخ "مصطفى المراغي" بحملة لجمع التبرعات مِن أبناء الشعب المصري مِن أجل عرب فلسطين، واستجاب لها عددٌ كبيرٌ مِن طلبة الأزهر بتأليف لجانٍ لبثِّ الدعاية لهذا الغرض في القاهرة وسائر المديريات الأخرى، وتنظيم تظاهرات تطوف شوارع القاهرة منددة بسياسة بريطانيا في فلسطين.

وفي الثامن مِن أغسطس 1938م عقدتْ هيئة كبار العلماء بالأزهر اجتماعًا برئاسة الشيخ "المراغي" وجهت فيه الدعوة إلى حكام المسلمين لسلوك الطرق الممكنة للمحافظة على عروبة فلسطين وأثارها الإسلامية مما يهددها.

وأثناء جلسات المؤتمر البرلماني العربي الإسلامي في أكتوبر 1938م الذي عقد القاهرة ألقى الشيخ "المراغي" خطابًا دعا فيه أعضاء المؤتمر إلى نصرة القضية الفلسطينية.

وعندما أعلنت اللجنة البريطانية الموفدة إلى فلسطين للبت في أحداث ثورة 1936م عن مشروع لتقسيم فلسطين بيْن العرب واليهود أعلن الأزهر استنكاره لهذا المشروع، وقام الطلاب بمظاهراتٍ كبيرة خرجتْ مِن الجامع الأزهر هاتفة: (للعرب لا لليهود)، وتوالت الخطب المنددة بسياسة بريطانيا في فلسطين، كما طالب الشيخ "مصطفى المراغي" رئيس الحكومة المصرية وقتذاك -محمد محمود باشا- بالتدخل الفعلي باسم مصر للمساهمة في حل القضية الفلسطينية.

وفي السادس عشر مِن المحرم 1358 هجريًّا - التاسع مِن مارس 1939م، احتج الأزهر بهيئاته على وضع قوةٍ مِن البوليس البريطاني في المسجد الأقصى، وطالب بضرورة إخراج تلك القوة مِن المسجد؛ رعاية لشعور المسلمين وتهدئة لخواطرهم.

حث الأزهر على الجهاد في فلسطين عام 1948م:

لما بدأت مأساة فلسطين تلوح في الآفاق مِن خلال إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لقرار تقسيم فلسطين مِن الأمم المتحدة في نوفمبر 1947م، وازدياد شراسة العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين، ووقوف سلطة الانتداب البريطاني والإدارة الأمريكية وراء اليهود بالمال والسلاح، وبدء الشروع في الجهاد لنصرة الفلسطينيين، وتقدم المتطوعين لمساندة إخوانهم في فلسطين، تألفت كتائب مِن المتطوعين انضم إليها بعض طلاب الأزهر الراغبين في الشهادة في سبيل الله -تعالى-.

وفي يوم الاثنين السابع عشر مِن جمادى الآخرة 1367 هجريًّا - 26 أبريل 1947م عقد في القاعة الكبرى بالأزهر اجتماع ضم عددًا كبيرًا مِن علماء بالأزهر برئاسة شيخ الأزهر وقتها -الأستاذ محمد مأمون الشناوي- للنظر في المسألة الفلسطينية، وتقرر فيه: التأكيد على أن إنقاذ فلسطين واجب ديني على المسلمين عامة، ومطالبة الحكومات الإسلامية والعربية بتهيئة المأوى والنفقة للفلسطينيين المشردين، كل حكومة بما تراه، وعندما توجه المتطوعون إلى فلسطين أصدر شيخ الأزهر لهم نداء يحثهم فيه على الجهاد في سبيل الله -تعالى-.

الأزهر وقادة المجاهدين الفلسطينيين:

دأب الأزهر عبْر تاريخه الطويل على تربية طلابه مِن مصر وممن يفدون إليه مِن خارج مصر مِن الدول العربية والإسلامية المختلفة على نصرة الدين ومقاومة المحتلين الغاصبين، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك الطالب السوري "سليمان الحلبي" الذي كان يدرس في الأزهر، وهاله ما رأى مِن فساد وظلم جنود حملة بونابرت الفرنسية للمصريين، فقرر الانتقام مِن الفرنسيين فقتل قائدهم (كليبر) الذي تولى الحملة بعد عودة نابليون لفرنسا، بطعنه في صدره فأرداه قتيلًا، وواجه المحاكمة التي عقدها الفرنسيون مِن أجله، محاكمة كانوا هم فيها الخصم والقاضي والدفاع ومنفذي الحكم، وحكموا عليه بالقتل وبصورةٍ بشعةٍ تدل على الرغبة الجامحة في الانتقام منه والتشفي، فتلقى -رحمه الله- كل ذلك بصبرٍ وجلد.

وقد كان لبعض الشباب الفلسطيني الذي وفدوا إلى الأزهر في مقتبل العمر للتعلم ثم العودة لوطنهم حظ مِن تلك التربية؛ فصار منهم زعماء للحركة الوطنية أو مجاهدين فيها في ثورة 1936م وما بعدها.

ومِن أبرز هؤلاء:

الحاج محمد أمين الحسيني (1897م - 1974م):

وهو مِن أبرز زعماء الحركة الفلسطينية، حيث كان مفتي القدس، فقاد النضال الفلسطيني ضد بريطانيا واليهود، وساهم بقوة في ثورة 1936م حيث كان مِن قادتها، وتغرب عن وطنه بسبب ذلك.

ولد الحاج أمين الحسيني في القدس، وبعد أن حصل على علومه الابتدائية ذهب إلى مصر، فتتلمذ على يد الأستاذ "محمد عبده"، والشيخ "رشيد رضا"، وانضم إلى الجيش التركي في أزمير خلال الحرب العالمية الأولى.

ولما عاد إلى فلسطين شارك في الحركة الوطنية، وتولى منصب الإفتاء في القدس في عام 1921م، وأجبر أثناء الحرب العالمية الثانية على مغادرة فلسطين، فاستكمل نضاله السياسي مِن خارج فلسطين، فكان طوال حياته علمًا مِن أعلام الكفاح والنضال الفلسطيني.

الشيخ عز الدين القسام (1882م - 1935م):

ولد في (جبلة) مِن قرى اللاذقية في سوريا، وتلقى تعليمه بالأزهر، واتصل بقادة الفكر في مصر: كالأستاذ "محمد عبده"، والشيخ "رشيد رضا"، فتأثر بالاتجاهات الوطنية التي كانت سائدة في مصر، وعاد بعد تخرجه مِن الأزهر إلى سوريا فشارك في حركة المقاومة ضد الفرنسيين، ثم انتقل إلى حيفا في فبراير 1922م، فعمل بالتدريس، ثم تولى إمامة مسجد الاستقلال فيها، ثم أسس مدرسة ليلية لتعليم الأميين.

فطن إلى الدور الذي تقوم به سلطة الانتداب البريطاني لتهيئة الأوضاع لليهود في فلسطين، فتحولت دروسه الدينية إلى دعوةٍ عمليةٍ للجهاد، وتجمع حوله نفرٌ مِن المخلصين، فبدء بهم حركته المسلحة في عام 1935م، والتي كانت إيذانًا بقيام ثورة 1936م، واستشهد -رحمه الله-  في إحدى معاركه مع القوات البريطانية في تلال الجليل في شعبان 1354 هجريًّا - نوفمبر 1935م.

الشيخ "عبد القادر المظفر":

ولد بالقدس عام 1892م، كان والده مفتي الحنفية بالقدس، قدِم مصر للتعلم في الأزهر، ثم عاد إلى فلسطين، ودأب على حثِّ الناس على الثورة حفاظًا على فلسطين مِن أطماع اليهود، وقاد الجماهير في مظاهرةٍ عارمةٍ تندد بالانتداب البريطاني في 13 أكتوبر 1933م، فأُلقي القبض عليه وبعض رفاقه، وصدر الحكم عليهم بالإعدام.

الشيخ "عبد الحليم الجيلاني":

وُلد بمدينة الخليل نحو عام 1890م، والتحق بالأزهر، وتلقى العلم في مصر عشر سنوات شهد فيها ثورة 1919م قبْل العودة إلى فلسطين، وعُين إمامًا وخطيبًا بالحرم الإبراهيمي بالخليل، واشترك في ثورة البراق، ثم في ثورة 1936م، وأسندت إليه قيادة المناضلين في الخليل، حيث استشهد بعد معركة مع الجنود الإنجليز في شهر أكتوبر 1937م.

الشيخ "عبد الرحيم الحاج محمد":

وُلد في بلدة (عنبتة) مِن قضاء طولكرم بلواء السامرة (وسط شمال فلسطين)، كان أبوه عمدة البلدة، جاء إلى الأزهر فدرس به ستة أعوام عاد بعدها إلى فلسطين، واشتغل بالتدريس فترة ثم انضم للمجاهدين في عام 1929م، واشترك في ثورة 1936م، وتولى القيادة العامة للمجاهدين في شمال فلسطين، واُستشهد -رحمه الله- في أبريل 1938م على يد مجموعةٍ مِن الجنود الإنجليز.

الشيخ "أمين العوري":

وُلد في بلدة (بيت عور) شمال شرق فلسطين، ورحل وهو صغير إلى القدس، حيث كان والده يشغل منصبًا رفيعًا بالمجلس الإسلامي الأعلى. أرسله أبوه للتعلم في الأزهر، فجاور فيه نحو اثنتي عشرة سنة، فلما عاد إلى فلسطين تولى وظيفة قيم الصخرة المشرفة ببيت المقدس، ثم أُسند إليه منصب أمين عام سر الإفتاء، بالإضافة إلى عمله بوظيفة التدريس بمسجد الصخرة، واشترك في ثورة 1936م فكان موضع ثقة المجاهدين، وأشرف على تنظيمهم، واستشهد في عملية فدائية ضد قطار للبضائع قادم مِن "يافا" متجهًا إلى "القدس" في 21 نوفمبر عام 1936م.

الشيخ "فوزي الإمام":

وُلد بمدينة يافا حوالي عام 1901م، كان أبوه إمام مسجد العجمي بمدينة يافا، والتحق بالأزهر لمدة سبعة أعوام ثم عاد إلى فلسطين وعمل بالوعظ في المسجد الذي كان يعمل فيه أبوه مِن قبْل، فكان يحض الشباب على المقاومة، وشارك في ثورة 1936م، وكوَّن فرقًا باسم الحرس الوطني مِن شباب يافا تولى قيادتها لحماية الأحياء العربية مِن اعتداءات اليهود، واستشهد في فبراير 1948م.

الشيخ "حسن البطة":

وُلد في خان يونس، التحق بالأزهر حيث درس بكلية الشريعة الإسلامية، والتحق بتخصص التدريس في نوفمبر 1947م، فكان يجتمع بالطلبة الفلسطينيين مِن الأزهريين وغيرهم في رواق الشام يحثهم على أداء واجبهم نحو وطنهم، وعاد إلى خان يونس في أبريل 1948م ليشارك في النضال ضد اليهود، واشترك مع رفاق له مع القوات المصرية في حرب 1948م، حيث قَدَّم للقوات المصرية خدماتٍ كثيرة.

وعاد للتدريس حتى عام 1954م، ثم التحق بالجيش الفلسطيني، وشارك في صد العدوان الثلاثي في عام 1956م، ووقع أسيرًا في يد القوات الإسرائيلية التي قامتْ بقتله -رحمه الله-.

مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية والقضية الفلسطينية:

يُعد مجمع البحوث الإسلامية أحد الهيئات الدينية التابعة للأزهر، بل هو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية فيه، وقد شهدتْ مؤتمرات المجمع عبْر عقودٍ طويلة نشاطًا ملحوظًا في دعم القضية الفلسطينية:

- ففي المؤتمر الأول له في شوال 1383هجريًّا - مارس 1964م أصدر المؤتمر بيانًا يؤكِّد فيه على أن الصهيونية هي استعمارٍ جديدٍ يجب مجاهدته، منبهًا على خطر قيام دولة إسرائيل، وداعيًا إلى مؤازرة شعب فلسطين للعودة إلى وطنه السليب.

وفي المؤتمر الثاني في المحرم 1385هجريًّا - مايو 1965م جاء في توصياته أن القضية الفلسطينية هي قضية المسلمين جميعًا، وأن الدفاع عنها والعمل مِن أجل تحريرها فرض على المسلمين جميعًا، وناشد الجميع أن يؤازروا منظمة التحرير الفلسطينية للقيام بواجبها في الدفاع عن الوطن السليب.

وقد شهدت هذه الفترة مِن الستينيات زيادة المنح المقدمة مِن الأزهر للفلسطينيين.

- وفي المؤتمر الرابع الذي عقد في رجب 1388 هجريًّا - سبتمبر 1968م -أي بعد هزيمة 1967م واستيلاء اليهود على المسجد الأقصى- جاء في التوصيات: الدعوة إلى دعم كفاح شعب فلسطين، وتعبئة القوى الروحية للأمة وتعميق القيم الإسلامية بيْن الشباب، وفي كل وسائل الإعلام. وزيادة التعاون والتنسيق الاقتصادي بيْن الدول العربية والإسلامية بما يحقق تكاملها. وأكد المؤتمر على صحة الفتوى الصادرة مِن علماء المسلمين وقضاتهم في الضفة الغربية في جمادى الأولى 1387هجريًّا - أغسطس 1967م، والمتضمنة أن المسجد الأقصى يشمل شرعًا المسجد الأقصى ومسجد الصخرة والساحات المحيطة بها، وما حوله مِن السور والأبواب، وأن أي عدوان على أي جزءٍ منها يُعد انتهاكًا لحرمة المسجد ككل.

- وفي المؤتمر الخامس في ذي الحجة 1389 هجريًّا - فبراير 1970م، والذي أعقب محاولة حرق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969م، اعتبر المؤتمر هذه الجريمة مرحلة مِن مراحل العدوان الإسرائيلي على المقدسات الإسلامية في فلسطين، وطالب في توصياته بالعمل الجاد لدرء هذا الخطر الذي يستهدف مقدسات الأمة، وأكد على ما سبق اتخاذه مِن إنشاء صندوق للجهاد في كل بلد إسلامي، وتشكيل لجان مِن علماء المسلمين وأصحاب الغيرة الإسلامية لتنظيم هذا الدعم فعليًّا.

- وفي المؤتمر السادس في المحرم 1391 هجريًّا - مارس 1961م جاءت التوصية بجمع المخطوطات التي تؤرخ لبيت المقدس حيثما توجد، ليطلع العالم عليها للتعرف على تراث القدس، وقد رفض المؤتمر الدعوة إلى تدويل مدينة القدس.

- وفي المؤتمر السابع في شعبان 1392 هجريًّا -  سبتمبر 1972م وجَّه المدعون نداءً يناشدون ملوك ورؤساء الدول الإسلامية والعربية باتخاذ موقفٍ حاسمٍ إزاء الاعتداءات الإسرائيلية على الدول العربية، وطالبهم بجمع الكلمة وإعداد العدة لمجابهة العدو.

- وفي المؤتمر الثامن في ذي القعدة 1397 هجريًّا - أكتوبر 1977م -أي بعد حوالي أربع سنوات مِن حرب أكتوبر 1973م- أكَّد المؤتمر على ما جاء مِن قرارات بشأن القضية الفلسطينية في المؤتمرات السابقة، وكذلك بنفس المضمون جاءت التوصيات في المؤتمر التاسع الذي عقد في العيد الألفي للأزهر، وذلك في جمادى الآخرة 1403 هجريًّا - مارس 1983م.

- وفي المؤتمر الحادي عشر الذي عقد في رجب 1408 هجريًّا - مارس 1988م تضمنتْ توصياته التأكيد على أن الذود عن المسجد الأقصى واجب ديني ماضٍ إلى أن يرث الله -تعالى- الأرض ومَن عليها، كما حيا المؤتمر الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي قامتْ في نفس العام، وأهاب بالمجتمع الدولي للعمل على وقف العدوان على الشعب الفلسطيني المطالِب بحقه المشروع.

مِن بيانات الأزهر حول فلسطين:

أصدر الأزهر العديد مِن البيانات حول فلسطين والقدس، تؤكِّد تضامنه مع حقوق الشعب الفلسطيني، فمِن ذلك:

- بيان الأزهر في ربيع الأول 1410 هجريًّا - أكتوبر 1990م عقب الأحداث المؤلمة التي وقعتْ في المسجد الأقصى، والذي ندد فيه الأزهر بانتهاك الحكومة الإسرائيلية لحرمة المسجد الأقصى.

- وفي ديسمبر عام 1992م قامتْ إسرائيل بإبعاد 400 فلسطيني عن وطنهم وتركهم في العراء بلا طعامٍ ولا ماءٍ؛ فأصدر الأزهر بيانًا يندد بهذا الإجراء الظالم.

- وفي رمضان 1414 هجريًّا - فبراير 1994م قَتلت القوات الإسرائيلية عددًا كبيرًا مِن المصلين الفلسطينيين، فأصدر الأزهر بيانًا نعى فيه هؤلاء الشهداء ودعا إلى أداء صلاة الغائب عليهم.

وعندما أعلن عن مصادرة السلطات الإسرائيلية لأراضٍ عربية في القدس أصدر الأزهر بيانًا في ذي الحجة 1415 هجريًّا - مايو 1995م يستنكر ذلك ويناشد الحكومات العربية والإسلامية والمنظمات الدولية العمل على وقف هذا العدوان على القدس وأهلها العرب.

وفي أعقاب قرار الكونجرس الأمريكي في عام 1995م بنقل سفارة أمريكا مِن تل أبيب إلى القدس صدر بيان قوي مِن الأزهر مؤكدًا على عروبة القدس وهويتها الإسلامية، ومستنكرا هذا القرار.

وفي يوم 12 جمادى الأولى 1417 هجريًّا - 24 سبتمبر 1996م قامت السلطات الإسرائيلية بافتتاح النفق الممتد أسفل الرواق الغرب للمسجد الأقصى الموصل إلى منطقة باب الغوانمة فتصدى لها الفلسطينيون فوقعتْ أحداث دامية فاستشهد أكثر مِن 35 فلسطيني، وجرح 1500 فلسطيني؛ فوجَّه شيخ الأزهر وقتها "الدكتور سيد طنطاوي" تحية إلى الشعب الفلسطيني، ودعا -بعدها بيومين- في خطبة الجمعة إلى الدفاع عن المسجد الأقصى، وصلى بالناس صلاة الغائب على ضحايا الأحداث.

ومع إعلان السلطات الإسرائيلية عن بدء تنفيذ المشروع الاستيطاني في جبل (أبو غنيم) لفصل القدس عن بقية أنحاء الضفة الغربية في 9 مِن ذي القعدة 1417 هجريًّا - 18 مارس 1997م، كان الأزهر في مقدمة الرافضين لذلك، حيث عقد الأزهر مؤتمرًا شعبيًّا في 12 مِن ذي القعدة 1417 هجريًّا - 21 مارس 1997م أعرب فيه شيخ الأزهر عن وقوف مصر إلى جانب الشعب الفلسطيني دفاعًا عن مدينة القدس أمام محاولات تهويدها.

جهود الأزهر خارج مصر:

لم يترك الأزهر حدثًا هامًّا يخص القضية الفلسطينية إلا وسعى للمشاركة الفعَّالة فيه نصرة لها.

فمِن ذلك على سبيل المثال:

- أوفد الإمام "شيخ الأزهر" ممثلًا شخصيًّا عنه لحضور الندوة العالمية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) في الرباط بالمغرب حول القدس وتراثها الثقافي في ربيع الآخر 1414 هجريًّا - أكتوبر 1993م.

- أوفد الإمام شيخ الأزهر مندوبًا لحضور الندوة السنوية لشئون القدس التي عقدها المؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس في عمان بالأردن في شوال 1414 هجريًّا - أبريل 1994م.

- أوفد الإمام الأكبر شيخ الأزهر وكيل الأزهر في المحرم 1417 هجريًّا - يونيو 1996م لحضور الندوة السنوية للمؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس في عمان بالأردن.