إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 17 فبراير 2018 - 1 جمادى الثانية 1439هـ

لا نُؤتين مِن قِبَلك!

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن حمى الإسلام تحتاج إلى حراسة، لا سيما وقد تكالب الأعداء على أهل الملة في كل مكان، ولن يقوم بحراسة حمى الإسلام إلا مَن اصطفاه الله للقيام بهذه المهمة، وإن أولى الناس بالحراسة هم أبناء الصحوة الذين حملوا المنهج النبوي، فلا بد أن يكون كل واحد مِن هؤلاء على ثغرٍ مِن ثغور الإسلام.

واحذر أن تكون الثغرة في موطنك الذي أنتَ فيه؛ فكلنا حراس لحدود الإسلام، فاحذر أن يٌؤتى الإسلام مِن قِبَلك!

احذر أن تكون أنتَ السبب في حدوث الثغرة، كن دائمًا مدافعًا عن دينك، وهذا الدفاع يكون بثباتك على منهجك، ثم بأداء ما تٌكلف به نحو دعوتك، ولا تحقرن الدور الذي تقوم به، فربما لو تكاسلت أو تهاونت يُؤتى الإسلام مِن قِبَلك، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لفصيلة الرماة التي اختارها يوم "أُحد": (احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ فلَا تَنْصُرُونَا، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فلَا تَشْرُكُونَا) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر)، وفي رواية: (إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ، هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلاَ تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ) (رواه البخاري).

وقال كذلك لقائدهم عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري: (انْضَحِ الْخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَاثْبُتْ مَكَانَكَ، لا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ) (رواه ابن إسحاق في السيرة النبوية)، ثم بعد أن انتصر المسلمون وبدؤوا في جمع الغنائم، عصى أربعون مِن الصحابة أمر رسول -صلى الله عليه وسلم-، وتركوا الثغر فكانت الثغرة، وانهزم المسلمون وقٌتل مَن قُتل مِن الصحابة، بل وتعرضت حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- للخطر، ثم نزل القرآن الكريم يتحدث عن سبب الهزيمة، قال الله -تعالى-: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:165).

فاعلم أنك على ثغرٍ مِن ثغور الإسلام مهما كان دورك الذي تؤديه نحو دينك ودعوتك، فاحذر أن يٌؤتى الإسلام مِن قِبَلك، وتأمل معي حال سالم مولى أبي حذيفة -وهو أحدُ السابقين الأوَّلين، ومِن البدريِّين أصحاب الفضائل والشمائل-، لما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وظهرتِ الردة، فكان لها أبو بكر -رضي الله عنه-، فجهز لها الجيوش وعقد لها الألوية، وكان أقوى الألوية التي عبَّأها: لواء خالد بن الوليد سيفِ الله المسلول، فسيَّره الصديق لقتال المرتدين، فكانت موقعة اليمامة من أشرسِ المعارك التي خاضَها خالد بن الوليد والمسلمون معه.

وهنا قسَّم خالد جيشَه ورتَّبه، واعتمد على أهل بدر والسابقين الأوَّلين، فأعطى راية الأنصار لثابت بن قيس، وأعطى راية المهاجرين لسالم مولى أبي حذيفة، ثم دارتْ رحى الحرب، وحمي وطيسُها، وكانت الغلبة في أوَّل المعركة للمرتدين، فكَسروا قلْب الجيش الإسلامي، ووَصلوا إلى خَيْمة خالد بن الوليد ثلاثَ مرات؛ عندها صرخ  خالد بن الوليد في الناس، ونادى: امتازوا أيها الناس؛ لنعلم بلاءَ كلِّ حي، ولنعلم مِن أين نؤتى، فأشعلتْ كلماته حماسَ الصحابة، فجعلوا يتواصَوْن ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السِّحر اليوم، وكان أبو حذيفة يُنادي: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفِعال، أما سالم موْلى أبي حُذيفة، فقد كان ثابتًا ممسكًا بالراية لم يتزحزحْ عنها، فقال له المهاجرون: يا سالم، إنَّا نخاف أن نؤتى من قِبلك، فقال سالم: "بئس حاملُ القرآن أنا، إن أُوتيتم مِن قبلي!".

هل تأملنا هذه الكلمة وتدبرناها؟!

هل استشعرنا معناها: "بئس حاملُ القرآن أنا، إن أوُتيتم مِن قبلي"؟!

هكذا كانوا، وهكذا يجب أن نكون.