إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 15 فبراير 2018 - 29 جمادى الأولى 1439هـ

سورة الإخلاص (5)

كتبه/ رضا الخطيب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زال الكلام موصولًا مع "سورة الإخلاص".

فقوله -تبارك وتعالى-: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فسره ضمنًا قوله -عز وجل-: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، أي أن الله -سبحانه وتعالى- واحدٌ فردٌ، لا شريك له، ولا ند ولا نظير ولا شبيه؛ لا في صفاته، ولا في ذاته، ولا في أفعاله.

وكذلك أيضًا: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يفسِّرها قوله -تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:11)؛ فليس كالله -تعالى- شيء. 

وأما المعنى العام الذي تشير إليه هذه السورة فهو: أن الرسالة المحمدية كلها، بل وجميع رسالات الأنبياء إنما جاءت لتقرير هذا المعنى؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- واحدٌ أحدٌ، ولا يدل على هذا آيات القرآن الكريم فقط، ولا الكتب المنزلة على الأنبياء مِن قبْل فقط، بل يحوم ويدندن حول هذه القضية كل ما في الوجود.

كما قال الشاعر:

فيا عجبًا كيف يُعصى الإلـه               أم كـيـف يـجـحـده الـجـاحد

وفــي كــــل شــيء لـه آيـة               تــدل عــلـى أنـه الــواحـــد

وقال الآخر: 

تـأمل سـطـور الكائنات فـإنها             مِن الملأ الأعلى إليك رسائـل

وقد خُطَّ فيها لو تأملتَ خطَّها              ألا كلُّ شيء ما خلا اللهَ باطـل

وأما نصوص القرآن على هذه الحقيقة الخالدة، والتي هي أعظم حقيقة في الوجود؛ فكثيرة جدًّا، وكل الوجود يدور حول إثبات هذه الحقيقة، وهي: التوحيد لله -تبارك وتعالى-، ونفي النظير والشريك، والند والمثل له، قال الله -تعالى-: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة:163)، وقال -تعالى-: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31)، وقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (ص:65-66)، وقال -تعالى-: (هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (إبراهيم:52).

فسبحانه -جلَّ جلاله، وتقدست أسماؤه، وتنزهت صفاته-، هو واحدٌ أحدٌ في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله.

وقد جاء القرآن أيضًا بتقرير هذا المعنى عقلًا كما أقره نقلًا، أي أنه جمع بيْن العقل والنقل؛ فعلى سبيل الاستدلال العقلي، قال -تبارك وتعالى-: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا . سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) (الإسراء:42-43)، أي: لطلبوا السبيل وسعوا في مغالبة الله -تعالى-؛ فإما أن يعلوا عليه؛ فيكون مَنْ علا وقهر هو الرب الإله، فأَمَا وقد علموا أنهم يقرِّون أن آلهتهم التي يعبدون مِن دون الله مقهورة مغلوبة ليس لها مِن الأمر شيء؛ فَلِمَ اتخذوها وهي بهذه الحال؟!

وقال -تبارك وتعالى-: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء:22).

فدلل على عدم فسادهما بعدم تعددهما، فهل فسدت السموات والأرض؟!

الجواب: لم تفسد، بل هي على نظامٍ ثابت مستقرٍ بمشيئة الله، فدلَّ هذا على عدم تعدد الآلهة.

وجُمع العقل والنقل في قوله -تعالى-: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون:91).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.