إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 02 فبراير 2018 - 16 جمادى الأولى 1439هـ

تأملات في النصيحة (2)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تكلمنا في مقالنا السابق عن دائرة المصالح التي يجب على المسلم فيها النصح للناس، ما بيْن مصلحةِ نَفْسِه، إلى مصلحة أُسْرَتِه إلى مصلحة عائلتِه، إلى مصلحة جماعتِه وطائفتِه، إلى مصلحة مجتمعِه ووطنِه، إلى مصلحة أُمَّتِه، إلى مصلحة البشر عمومًا.

واليوم نتكلم عن أنواع المصالح التي يجب النصح فيها لهؤلاء، والتي يَلزم أن نضعها نصب أعيننا عند اختيار المواقف وحساب المصالح؛ خاصة أن المصالح المحضة والمفاسد المحضة لا تكاد توجد إلا نادرًا؛ فلزم البحث في أنواع المصالح لتقديم المصلحة الأكبر على المصلحة الأدنى.

أولًا: مصلحة الدين: وهي أعظم المصالح والضرورات للإنسان، بالنظر إلى جملة حياته ووجوده؛ فليست حياتُه فوق الأرض هي فقط حياته، قال -تعالى- عن يوم القيامة: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) (الفجر:23-24)؛ فكأن حياته فوق الأرض ليست بحياةٍ معتبرةٍ بالنسبة للآخرة، وقال -تعالى-: (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) (الروم:44)، قال مجاهد: "في القبر"؛ فالمِهاد في القبرِ أولى بالإعدادِ والتسويةِ مِن فراش حجرة النوم.

فالواجب على الناصِح أن يقدِّم ما فيه تحقيق إيمان نَفْسِه وأُسْرَتِه وعائلتِه، وجماعتِه ومجتمعِه وأهل بلده وأُمَّتِه؛ بل الناصحُ -تمامَ النصحِ- مِن ينصح للكفار ويضحي بنفسه مِن أجل أن يؤمنوا، ولو بفوات نفسه ونفوسهم، كما فعل غلامُ "أصحاب الأخدود" إذ قال للمَلِك: (إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ) (رواه مسلم)، فتركُهم للشركِ والكفرِ مُقَدَّمٌ على حياة النفوس في الدنيا.

أما إذا أمكن حِفْظُ الدينِ مع حفظ النفس وَجَبَ ذلك؛ ولا يُلقي بيده إلى التهلكة، ولا يُلقي بالناس إلى التهلكة؛ وإنما شُرع العذر عند الإكراه لإبقاء المُهْجَةِ؛ إذ أن بقاء الدين في القلب مع الطمأنينة بالإيمان حاصلٌ مع النطق بكلمة الكفر عند الإكراه، وإن كان هذا لا يَلْزَم؛ لما في إظهار الدين بالصبر على القتل وعدم النطق بكلمة الكفر مِن مصلحةِ تعظيم الإيمان في النفس وعند الناس، وتحصيل الشهادة.

أما إذا كان الأمر مُتَعَدِّيًا إلى غيره مِن المسلمين فيلزمه حِفظُهم وعدم تعريضهم للهلاك، إذا أمكن بقاؤهم على الدين بنطقه لكلمة الكفر أو ما دون ذلك، كما قَبَّلَ عبد الله بن حذافة -رضي الله عنه- رأس ملك الروم لكي يطلق سراح مَن معه مِن أسرى المسلمين؛ فللمرء أن يسامِح في حق نفسه، وليس له أن يسامح في حق غيره؛ ولذا قال أهل العلم بوجوب دفع المفسدة المُتَعَدِّيَةِ بترك الحِسْبَة مع استحباب الاحتساب إذا كانت المفسدة مقتصِرة على المحتسب.

أما ما يمكن فيه بقاء الدين والنفس -بتفويت ما دون ذلك مِن المصالح لمجموع الأمة أو المجتمع أو الجماعة، أو حتى العائلة والأسرة-؛ فذلك واجبٌ بلا شك ولا نزاع.

ومِن مصلحة الدين كذلك التزامُ الناس بالسُّنة وتركهم البدع، ونعني بالسُّنة: الطريقة والمنهج، وخاصة في الاعتقاد، ونعني بالبدع في المقام الأول: بدع الضلالة في العقائد كالرفض (التشيع)، والخوارج (التكفير)، والاعتزال، ونحوها؛ فمهما كان أمامنا مِن اختيارٍ بيْن أمورٍ أحدها يؤدي إلى التزام الناس بالسُنَّة أكثر مِن غيره لَزِمَ ذلك الاختيار، وما كان أبقى لوجود مَن يدعوهم إلى السُّنة وينهاهم عن البدعة، ويُعَلِّمُهم ما يلزمهم في دينهم لزم اختياره.

وليس -عند أهل العلم- الخيار الصفرِيِّ -الذي يُعدِم الدعاة أو يسجنهم ويمنعهم مِن صور الدعوة إلى الله، أو يضطرهم للسفر والهجرة، مع العجز عن الدعوة بيْن الناس بعيدًا عنهم- بخيارٍ مُعْتَبَرٍ، ما لم يكن في ذلك النطق بالكفر أو الشرك أو البدعة الضلالة مثلًا؛ بل كل وسيلة تُبقِي الدعوة قائمة بصورةٍ مِن الصور -ولو قَلَّتْ- فهي مشروعةٌ، وهي خيرٌ مِن إعدامها بالكُلِّية؛ وكلُّ هذا مِن حفظ دين المجتمع وما دونه، بل الحفاظ على طائفة أهل السُّنة قائمة بمنهجها داعية إلى شرع الله خير لمجموع الأمة بلا شك.

وكذلك مِن مصلحة الدين: التزام الناس بفعل الطاعات والواجبات وترك المحرمات؛ فما كان أقرب إلى أن يحافِظ الناس على الصلوات وتعمير المساجد وإيتاء الزكاة وإيصالها إلى مستحقيها والتمكن مِن تعليم الناس ذلك ومعاونتهم عليه، وسد حاجات فقرائهم وصوم رمضان وحج البيت والاعتمار إليه؛ كان لازم الاختيار، بدلًا مما يجعل شبابهم ورجالهم ونساءهم وأطفالهم يفقدون الطريق إلى المساجد ويضيعون الفرائض والوجبات.

وكذا أداء الواجبات الباطنة -بل هي مقدمة على الظاهرة- مِن حب الله -تعالى- والخوف منه، ورجاء رحمته، وشكر نِعمته، والصبر والإخلاص والصدق، وغيرها من عبادات القلوب.

وأما ترك المحرمات: فهو يشمل ترك المحرمات الباطنة -كالكبر والعجب والرياء والسمعة، والغل والحسد، وسائر أمراض القلوب-، والمحرمات الظاهرة مِن الكبائر -كالزنا واللواط، والسرقة، وشرب الخمر، والربا والميسر-، وخيانة الأمانة -خاصة الغلول-، ونحوها، والصغائر التي هي دون ذلك.

فكل ما كان أقرب إلى استصلاح الناس -بترك ذلك ووجود من يُعَلِّمُهم حُرْمَةَ ذلك ويدعوهم إلى تَرْكِه- كان يلزم اختياره، وكذلك كل ما كان أقرب إلى التزام الأخلاق الواجبة والمستحبة -كَبِرِّ الوالدين، وصِلَةِ الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والصدق والأمانة- والبعد عن سيئ الأخلاق -كالكذب، وإخلاف الوعد، وإطلاق البصر إلى المُحَرَّمات، والغيبة والنميمة، وسوء الظن، والفحش والسب واللعن والبذاء- كان واجبًا أن نُقَدِّمَه على ما يؤدي إلى ضياعِ ذلك الخير في الناس.

وعمومًا: فكل خيار يؤدي إلى قرب الدعوة مِن الناس ووجودها فيهم -لحفظ الدين بالقَدْرِ المُمْكِن-؛ كان واجبًا على المسلم فِعْلُه واختيارُه.

ويجب أن ننتبه في هذه النقطة إلى أن خيار الفوضى في بلدٍ مِن البلاد هو مِن أسوأ الخيارات التي تعود على دين المجتمع بالضرر، وليس فقط حفظ دنياهم وأرواحهم وأعراضهم وأموالهم، ألم تسمع قول الله عن ذي القرنين: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) (الكهف:93)؛ فلم يذكر -رضي الله عنه- ما ذكر عند مغرب الشمس ومشرقها مِن بيان خطر الظلم وعقوبته، والترغيب في الإيمان والعمل الصالح ومثوبته؛ بل بدأ ببناء السد مع إشارات لمعاني التوحيد (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا . آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا . فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (الكهف:95-97)، حتى إذا انتهى منه ذَكَّرَ الناسَ بأن هذا مِن فضل الله، وذَكَّرَهم بالآخرة (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) (الكهف:98)؛ لأن الناس عند الفساد والفوضى لا يفقهون شيئًا، وتكاد تنعدم عندهم أدوات الاستقبال للدعوة.

فلا يسعنا أبدًا أن ندفع مجتمعًا إلى الفوضى وبلادًا إلى الخراب ظنًا منّا أن ذلك يمكن معه إقامة الدين أو الدنيا؛ ولا يُقْدِم على ذلك إلا غَاشٌّ خائنٌ غيرُ ناصحٍ، أو مَن يعتقد كفر المجتمع ويريد الانتقام منه بدلًا مِن هدايته! بل هذا ليس هدي الأنبياء والدعاة إلى الخير -عبْر الزمان- مع المجتمعات الكافرة؛ فإن حُبَّ الهداية لهم مغروز في الفطرة السليمة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعَلِيِّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- في فتح خيبر حين دفع له الراية: (انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ؛ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (متفق عليه).

ولذا كان خِيارُ السِّلْمِ في "الحُدَيبِيَةِ" -مع أن خيارَ الحرب في صالحِ أهلِ الإيمانِ-: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (الفتح:22)، كان خِيارُ السِّلْمِ فَتحًا مُبينًا.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.