إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 30 يناير 2018 - 13 جمادى الأولى 1439هـ

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (5)

كتبه/ أسامة شحادة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال العلامة السعدي -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: "هذا أمرٌ منه -تعالى- للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبّت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبّر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعدٌ مِن كريمٍ صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، مِن الثبات وغيره" (انتهى).

فكيف يكون نصر الله -عز وجل- اليوم؟!

5- (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ):

الأخلاق سلاح عظيم في نصرة الحق؛ ولذلك كان خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي وصفه ربه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، مِن أكبر أسباب تقبل رسالته ودعوته وانتصاره على عدوه، كما أن الأخلاق الإسلامية الفاضلة كانت مِن أكبر أسباب تقبل العديد مِن الشعوب والمدن والدول للدعوة الإسلامية وعقيدة التوحيد، وترسّخ ذلك في قلوبهم وأرضهم لقرونٍ متتالية لليوم.

مِن هنا؛ فإن تعزيز الأخلاق الإسلامية الفاضلة في واقعنا هو خطوة هامة على طريق نصر دين الله -عز وجل-، وعلى طريق نصرة الأمة ورفعتها وعزتها.

ومِن المهم إدراك أن قوة المجتمعات الإسلامية اليوم على الصعيد الاجتماعي والتماسك الأسري مقارنة بالشعوب والأمم الأخرى هي بسبب الأخلاق الإسلامية الأسرية ببرّ الوالدين واحترام الكبار وتقديرهم، وأمانة رعاية الصغار وتربيتهم، وهو الأمر الذي تفتقد له المجتمعات الغربية -على قوتها المادية-، فالشيخوخة فيها قاتلة بالإهمال والنبذ مِن الأبناء، والتفكك الأسري مستفحل لدرجة انقطاع علاقة الكثير مِن الأبناء بوالديهم، وجاءتْ قيم الحداثة الملحدة لتحارب مفهوم الأسرة والزواج وتعلي مِن شأن اللذة والاستقلال حتى تقلصتْ نسبة المواليد والأسر؛ مما يهدد وجود هذه المجتمعات نفسها بالفناء والانتهاء عبْر موت الشعوب مع الزمن؛ ولذلك فتحوا باب الهجرة والتجنيس لبقاء دورة الحياة فيها عبْر جلب الأيدي العاملة! وهذا تسبب مِن جهة أخرى بتصاعد نسبة المسلمين في هذه الدول الغربية عبْر استمرار مؤسسة الزواج الإسلامي، وارتفاع نسبة الأبناء فيها.

وبهذا يتبين لنا خطورة الاتفاقيات الدولية (اتفاقية سيداو) التي تحارب مفهوم الإسلام للأسرة والزواج والأخلاق الفاضلة، وتشجع على الانحلال الخلقي وتقليص نسبة الولادات في مجتمعاتنا الإسلامية!

ومِن دور الأخلاق الإسلامية الفاضلة في قوة مجتمعاتنا ونهضتها أن قوة الأخلاق الإسلامية، وخاصة الأمانة والصدق، هي الأساس لمحاربة الفساد السياسي والاقتصادي؛ فكلما قويت الأمانة والصدق كمفهوم وسلوك بيْن الناس -مسئولين ومستفيدين- قلّت مساحة الفساد، وكلما أتقنّا بناء القوانين والأنظمة المعززة للأمانة والصدق قضينا على الفساد، وفي التجربة الغربية تم بناء منظومة قانونية جيدة تعزز الأمانة والصدق، لكن كلما سنحت الفرصة لتخطي القوانين لم يتورع أصحاب السلطة والعامة مِن الخيانة والسرقة، فضلًا عن أنهم يمارسون الفساد -طولًا وعرضًا- خارج بلدانهم؛ لانعدام القوانين الرادعة والأخلاق الفاضلة!

وجانب ثالث لدوْر الأخلاق في نصرة الإسلام هو ما نشاهده بوضوح في الدور الخلاق للأخلاق الفاضلة مِن الصبر والشجاعة والإقدام، والإيثار والبذل، والتكافل والرعاية، وغيرها مِن مكارم الأخلاق، في إبقاء شعلة الجهاد والمقاومة ضد الأعداء مستمرة ومتصاعدة في فلسطين وأفغانستان وسوريا، وغيرها مِن مواطن العز والإباء، برغم قلة الإمكانيات وقوة الأعداء.

باختصار: كلما قوّينا أخلاقنا قويتْ مجتمعاتنا، وقويت مقاومتنا، وقويت قوتنا الناعمة التي طالما كانت سبيلنا للفوز والانتصار.