إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 23 يناير 2018 - 6 جمادى الأولى 1439هـ

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (35) التدابير التي اتخذها يزيد ضد ابن الزبير

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

حملة عمرو بن الزبير:

فقد ذكرنا في المقال السابق محاولات يزيد للسيطرة على عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-، وقد أصر ابن الزبير على موقفه؛ فلقد علم أن رفضه لمطالب يزيد وبسط لسانه وتنقصه والنيل منه، سيعقبه شدة وقسوة مِن يزيد؛ لا سيما بعد ما تفوه به على رؤوس أشراف أهل الشام، فقام ابن الزبير بجمع مواليه ومَن تألف معه مِن أهل مكة وغيرهم، وكان يقال لهم الزبيرية (أخبار مكة للأزرقي، بسندٍ كل رجاله ثقات).

وهنا رأى يزيد أنه لابد مِن القيام بعملٍ عسكري، يكون الهدف منه القبض أو القضاء على ابن الزبير أو حمله على الامتثال لقَسَم يزيد، ووضع الأغلال في عنقه، ولما حج عمرو بن سعيد بن العاص والي المدينة في تلك السنة -والمرجح سنة إحدى وستين- حج ابن الزبير معه، فلم يصلِّ بصلاة عمرو، ولا أفاض بإفاضته (أنساب الأشراف للبلاذري).

وهذا العمل مِن ابن الزبير يعني المفارقة الواضحة لسلطة دولة يزيد وعدم الاعتراف بها، وخصوصًا أن إقامة الحج تمثـِّل الدليل الأقوى على شرعية الدولة وقوة سلطانها، مثله مثل إقامته الجهاد في سبيل الله، ثم منع ابن الزبير الحارث بن خالد المخزومي مِن أن يصلي بأهل مكة وكان الحارث بن خالد المخزومي نائبًا لعمرو بن سعيد على أهل مكة (البداية والنهاية لابن كثير)، وكان ابن الزبير يتصرف وكأنه مستقل عن الدولة، وكان لا يقطع أمرًا دون المسور بن مخرمة -المسور بن مخرمة بن نوفل له ولأبيه صحبة-، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وجبير بن شيبة، وعبد الله بن صفوان بن أمية، وكان يريهم أن الأمر شورى فيما بينهم، وكان يلي بهم الصلوات والجمع، ويحج بهم (تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة ابن الزبير).

فكتب يزيد إلى عمرو بن سعيد بن العاص واليه على المدينة أن يوجِّه له جُندًا؛ فعيَّن عمرو بن سعيد بن العاص على قيادة هذه الحملة عمرو بن الزبير بن العوام أخو عبد الله بن الزبير، وكان عمرو بن الزبير قد ولي شرطة المدينة لعمرو بن سعيد، وكان شديد العداوة لأخيه عبد الله، وقام بضرب كل مَن كان يتعاطف مع ابن الزبير، واتجه جيش عمرو بن الزبير إلى مكة وكان قوامه ألف رجل، وجعل على مقدمته: أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة من الجند (تاريخ الرسل والملوك للطبري)، فسار  أنيس بن عمرو الأسلمي حتى نزل بذي طوى، وسار عمرو بن الزبير حتى نزل بالأبطح، وأرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله يطلب منه الامتثال ليمين يزيد بن معاوية وحذره مِن القتال في البلد الحرام (تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام للذهبي).

وكان عمرو بن الزبير يخرج مِن معسكره فيصلي بالناس خلال المفاوضات مع أخيه عبد الله، وكان عبد الله يسير معه ويلين له، ويقول: إني سامع مطيع وأنت عامل يزيد، وأنا أصلي خلفك، وما عندي خلاف؛ فأما أن تجعل في عنقي جامعة -الجَامِعَةُ: الغُلُّ يجمع اليدين إِلى العُنُق-، ثم أٌقاد إلى الشام، فإني نظرت في ذلك، فرأيتُ أنه لا يحل لي أن أحله بنفسي فراجع صاحبك واكتب إليه، ولكن عمرو بن الزبير اعتذر من الكتابة ليزيد، وذلك لأنه جاء في مهمة محددة مطلوب منه تنفيذها.

وكان عبد الله بن الزبير قد أرسل عبد الله بن صفوان الجمحي ومعه بعض الجند، وأخذوا أسفل مكة، وأحاطوا بأنيس بن عمرو الأسلمي، ولم يشعر بهم أنيس إلا وقد أحاطوا به، فقتل أنيس وانهزم أصحابه، وفي الوقت الذي قتل فيه وانهزم جيش أنيس بن عمرو الأسلمي، كان مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، يقود طائفة أخرى من الجند نحو عمرو بن الزبير، الذي كان معسكرًا في الأبطح، فانهزم عمرو بن الزبير، ودخل دار رجل يقال له علقمة، فجاءه أخوه عبيدة بن الزبير فأجاره، فأخذه إلى عبد الله، وذكر له أنه أجاره، فقال عبد الله: أما حقي فنعم، وأما حق الناس فلأقتص منه لمن آذاه في المدينة (الطبقات لابن سعد، وأنساب الأشراف للبلاذري)، وأقام عبد الله عمرو بن الزبير ليقتص الناس منه، فكل مَن ادعى على عمرو بأنه فعل به كذا وكذا وكذا قال له عبد الله بن الزبير افعل به مثلما فعل بك. وتذكر المصادر أن عمرو بن الزبير تعرض لتعذيبٍ شديدٍ مِن جراء ذلك، ومات تحت الضرب (تاريخ الإسلام للذهبي).

لقد أثبت ابن الزبير -رضي الله عنه- أنه يملك ذكاءً ودهاءً بارزين، الأمر الذي مكّنه مِن تحويل القضية لصالحه، بعد ما كانت في يد يزيد بن معاوية (مواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني)، وكان ابن الزبير في بداية معارضته يعتمد على أن البيعة التي تمتْ ليزيد بن معاوية لم تكن بموافقة الناس، ولابد مِن مشاركة الناس، وكان يدعو إلى الشورى ولم تحقق معارضة ابن الزبير أي نجاح يُذكر؛ فخلال سنتين أو أكثر مِن معارضته ليزيد لم يحدث أي تغيير بشأن هيمنة الدولة على الحجاز؛ فضلاً عن غيره مِن الأقطار.

ولقد ارتكب يزيد خطأً فادحًا عندما أقسم أن يأتيه ابن الزبير إلى دمشق في جامعة، فكيف يعقل مِن صحابي جليل تجاوز الستين مِن عمره أن يرضخ لطلب يزيد بن معاوية؟!

ولقد استطاع ابن الزبير أن يظهر يزيد أمام أهل الحجاز بأنه شخص متسلط، ليس أهلاً لولاية المسلمين، وجعلتْ هذه الحادثة من ابن الزبير في نظر الكثير مِن المترددين في موقفهم مِن ابن الزبير، على أنه طالب حق يواجه خليفة يحمل الظلم في أحكامه والتعسف في قراراته، والذي مكّن ابن الزبير وأكسبه الكثير مِن التعاطف هو موقف أمير المدينة -عمرو بن سعيد- فكان هذا الأمير -كما تذكر الروايات- شديدًا على أهل المدينة معرضًا عن نصحهم، متكبرًا عليهم، ثم ذلك الخطأ الكبير الذي وقع فيه عمرو بن الزبير الذي تذكره الروايات أيضًا بأنه عظيم الكبر، شديد العجب، ظلومًا قد أساء السيرة، وكان يضرب بالسياط، فكان ممن ضرب: المنذر بْن الزبير، ومحمد بْن المنذر، وعثمان بْن عبد اللَّه بْن حكيم بْن حزام، وخبيب بْن عبد اللَّه بْن الزبير، ومحمد بْن عمار بْن ياسر، وغيرهم، وكان يُقال: عمرو لا يُكلم، مَن يكلمه يندم! (أنساب الأشراف للبلاذري).

ومِن الأخطاء التي وقع فيها يزيد بن معاوية، وعمرو بن سعيد بن العاص والي المدينة، واستطاع ابن الزبير أن يوظفها لصالحه: "غزو مكة بجيش"؛ فمكة لها حرمتها وخصوصيتها في الجاهلية ثم جاء الإسلام فزادها مكانة وقداسة على مكانتها تلك التي كانت في الجاهلية، وقام عمرو بن سعيد يتحدى مشاعر المسلمين في المدينة حين رقي المنبر في أول يوم مِن ولايته على المدينة، فقال عن ابن الزبير: تعوذ بمكة، فوالله لنغزونه، ثم والله لئن دخل الكعبة لنحرقنها عليه، على رغم أنف مَن رغم (تاريخ خليفة لابن خياط).

ولما جهّز الحملة التي سيوجهها لابن الزبير في مكة، نصحه بعض الصحابة وحذّروه، وذكّروه بحرمة الكعبة، وبحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيان حرمتها، ولكنه رفض السماع لنصحهم (أنساب الأشراف للبلاذري)، وكان مروان بن الحكم وهو الأمير المحنك والسياسي الداهية قد حذّر عمرو بن سعيد مِن غزو البيت، وقال له: لا تغزو مكة، واتقِ الله، ولا تحل حرمة البيت، وخلوا ابن الزبير فقد كبر؛ هذا له بضع وستون سنة، وهو رجل لجوج -كثير الإلحاح-، والله لئن لم تقتلوه ليموتن، فقال له عمرو: والله لنقاتلنّه، ولنغزونّه في جوف الكعبة على رغم أنف مَن رغم، فقال مروان: والله إن ذلك يسوؤني (البداية والنهاية).

وكان عبد الله بن الزبير قد اختار لقبًا مؤثرًا حين أطلق على نفسه: "العائذ بالله"، فأصبح المساس بحرمة مكة أمر لا يوافق عليه الصحابة والتابعون، وكان لا بد مِن الدفاع عن مكة، في وجه جيشٍ يريد استحلال حرمتها!

وحتى الذي لا يستطيع أن يدافع عن مكة فسوف يكون متعاطفًا مع ابن الزبير بصفته يدافع عن بيت الله، وتدافع الناس نحو ابن الزبير مِن نواحي الطائف يعاونونه ويدافعون عن الحرم (أنساب الأشراف للبلاذري).

وهذه القضايا المعنوية والحسية كان لها الأثر البالغ في تعاظم مكانة ابن الزبير لدى أهل الحجاز؛ الأمر الذي جعله يحقق نصرًا ساحقًا وسهلًا على جيش عمرو بن الزبير، ومِن الأمور التي انتقدها يزيد على عمرو بن سعيد، كيف أنه لم يبادر بطلب جندٍ مِن أهل الشام حين جهز حملة عمرو بن الزبير؟! (أنساب الأشراف للبلاذري).

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.