إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 22 يناير 2018 - 5 جمادى الأولى 1439هـ

"هيكل سليمان"... حقيقة أم خيال؟!

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تم بناء المسجد الأقصى بعد بناء الكعبة بأربعين سنة، كما جاء في الحديث عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى) قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً) (متفق عليه).

والكعبة بناها إبراهيم مع ابنه إسماعيل -عليهما السلام- في مكة، وهي جهة القبلة التي يحج إليها الناس مِن عهد إبراهيم -عليه السلام- إلى اليوم، والمسجد الأقصى بناه إبراهيم مع يعقوب -عليهما السلام-، أو بناه يعقوب -عليه السلام- في أرض الله المباركة "القدس".

ومما لاحظه بعض الدارسين:

1- وجود التشابه بيْن بناء الكعبة وبناء المسجد الأقصى مِن جهة النسب الهندسية، فالكعبة أضلاعها الأربعة غير متساوية، فهي شكل رباعي شبه منحرف، طبقًا لمقاسات الكعبة الأصلية التي يدخل فيها حجر إسماعيل -عليه السلام- ضمن بنيان الكعبة، والنسبة المتوسطة بيْن حائط الكعبة بيْن الركنين الأسود واليماني إلى حائط الكعبة ما بيْن الركنين الأسود والعراقي هي 1: 1.6، وهي توافق تقريبًا ما يسمَّى بالنسبة الذهبية في البناء، وهي تساوي 1: 1.618، والتي سميت بهذا الاسم؛ لكونها أكثر نسبة هندسية مريحة للعين مِن الناحية البصرية والجمالية.

والمسجد الأقصى أيضًا مختلف الأضلاع، شبه منحرف، والنسبة ما بيْن الضلع القبلي إلى الضلع الشرقي للمسجد هي: 1: 1.67، وهي توافق تقريبًا النسبة الذهبية كما هو الحال في بناء الكعبة، وهذا التشابه بيْن البنائين مع تباعد المكان والزمان، يشعر بالترابط بيْن البنائين.

2- إنه بتحديد المحور الرئيسي للجهة التي يتوجه إليها السور الجنوبي للمسجد الأقصى مِن خلال برنامج (جوجل إرث)، وبرنامج تحديد اتجاه القبلة (قبلة لوكاتور) باستخدام صور الأقمار الصناعية؛ اتضح أن المحور الرئيسي للمسجد الأقصى (الجامع القبلي) يتجه نحو اتجاه الكعبة، أي أن الكعبة هي قبلة المسجد الأقصى منذ بنائه الأول.

ومِن المعلوم: أن المسلمين عندما فتحوا مدينة بيت المقدس، كانت أسوار المسجد موجودة، وكانت تعد تحديدًا للمسجد الذي كان موجودًا مِن قبْل، والتي يرجع بنائها -أي الأسوار- إلى ما قبْل ميلاد المسيح -عليه السلام-، وهو ما كشفتْ عنه حفريات (تشارلز وارين) عام 1867م، تحت رعاية هيئة تمويل التنقيب عن آثار فلسطين، والتي تأسست عام 1865م.

3- تبيَّن أن المحور الرئيسي للمسجد الأقصى ينحرف حوالي 11.81 درجة عن اتجاه القبلة الحقيقي في القدس، ولما كان محيط الكرة الأرضية يساوي 360 درجة فيكون انحراف المحور الرئيسي للمسجد عن اتجاه القبلة الحقيقي = 11.81/ 360 = 3 % تقريبًا، وهذا انحراف ضئيل جدًّا وغير مؤثر، خاصة في أن زمن البناء مِن قرونٍ طويلة (راجع في ذلك: القدس بيْن الحق الإسلامي والمزاعم الصهيونية، ط.المجلس الأعلى للشئون الإسلامية العدد 186- رسالة: (المسجد الأقصى أم الهيكل المزعوم؟) د. يحيى وزيري، ص:162-182).

أما هيكل سليمان -عليه السلام-، والذي كان ينبغي أن يكون تاريخه ووصفه واتجاهه هو تاريخ ووصف واتجاه المسجد الأقصى، فقد وَضعَ اليهود له -مِن خلال كتبهم التي يقدسونها والروايات التي يرونها- تاريخًا ووصفًا خاصًّا بهم، لكن يبقى مكانه غير معروف، وآثاره ليس منها أي أثر باقٍ!

وبالنظر إلى ما ورد عن الهيكل عند اليهود في كتبهم فيما يتعلق ببناء الهيكل ووصفه، فنجد الاضطراب والمبالغة، ونلمس الشطط والمخالفة مقارنة بما هو معلوم مِن حقائق تاريخية عن المسجد الأقصى، بما يشير إلى ما وقع عند اليهود مِن التحريف حول المسجد الأقصى حتى صار الهيكل غير المسجد جملة وتفصيلًا، ليبقى المسجد حقيقية تاريخية، والهيكل وهمًا وخيالًا.  

وورد وصف هيكل سليمان -الهيكل الأول- مِن حيث وقت بنائه ومقاساته ومساحته الكلية، والمواد المستخدمة، والعمال المشتركين في بنائه في التوراة (العهد القديم) في:

1- سفر الملوك الأول: مِن الإصحاح 5-8.

2- سفر الملوك الثاني: الإصحاح 25.

3- سفر أخبار الأيام الثاني: الإصحاح 2-4.

4- سفر النبي حزقيال: الإصحاح 40-42.

بينما ورد ذكر إعادة بناء الهيكل الثاني بعد العودة مِن السبي البابلي، في سفر "عزرا" في الإصحاح 3، والإصحاح 6، ولكن دون ذكر أوصاف مفصلة للبناء؛ إلا إشارة تتعلق بمقاسات أساس الهيكل الثاني، وعدد صفوف الحجارة المستخدمة فيه.

نظرة على هيكل سليمان -عليه السلام- في التوراة:

ومِن مراجعة النصوص المذكورة تظهر صور عديدة مِن الاختلاف والاضطراب حول وصف الهيكل، وكيفية بنائه مع ما فيها مِن المبالغة والتهويل، وهي أمور تفقد هذه النصوص الكثير مِن مصداقيتها، ومنها:

1- في سفر الملوك الأول، الفصل الخامس، الفقرتين: 15 -16، ورد: أن عدد الوكلاء والرؤساء المشرفين على العمال في بناء الهيكل 3300 وكيلًا، بينما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثاني، الفقرة 2 والفقرتين 17 -18، أن عدد هؤلاء الوكلاء 3600 وكيلًا، بفارق 300 وكيلًا، وهذا خلل يتعلق بحدثٍ واحدٍ.

 2- وورد في سفر الملوك الأول، الفصل السادس في الفقرتين: (2 -3) أن: ارتفاع الهيكل 30 ذراعًا (أي: حوالي 15 مترًا)، بينما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني الإصحاح الثالث في الفقرة 3 أن ارتفاع الرواق الذي أمام الهيكل ويعد المدخل المؤدي إليه 120 ذراعًا (أي حوالي 60 مترًا)، وهذا يعد تناقضًا معماريًّا وهندسيًّا، أن يكون ارتفاع مدخل الهيكل أربعة أضعاف الهيكل نفسه، فهذا يتنافى مع المتعارف عليه في كل المباني الأثرية القديمة، ويجعل شكل الهيكل غير جذاب.

وقد أدى هذا إلى التناقض في رسومات الهيكل كما تخيله مَن رسموه، فالبعض جعل الرواق أمام الهيكل مساويًا لارتفاع الهيكل نفسه، أو أقل منه ارتفاعًا ليكون أكثر قبولًا وجاذبية، وهناك مَن رسمه حسبما ورد، أي ارتفاع الرواق أعلى كثيرًا مِن ارتفاع الهيكل.

2- ورد في وصف العمودين الموجودين أمام رواق الهيكل (مدخل الهيكل) في سفر الملوك الأول، الإصحاح السابع الفقرات: (15 -21) أن: طول العمود الواحد 18 ذراعًا، وفوقه تاج طوله خمسة أذرع، بينما في سفر الملوك الثاني، الإصحاح الخامس والعشرين، الفقرات 8 -17، أن طول العمود 18 ذراعًا، وأن طول التاج ثلاثة أذرع وليس خمسة أذرع، بينما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثالث، الفقرات 15- 17، أن طول العمود 35 ذراعًا، وطول التاج خمسة أذرع، وهذا تناقض في وصف الطول كبير، لا يتغاضى عنه إلى جانب الاختلاف في وصف التاج.

وقد انعكس ذلك على رسومات الهيكل، فرسم البعض العمودين كما هو منصوص عليه، أي أمام الرواق، ورسمه البعض وقد جعل العمودين منصوبين فوق سقف الرواق ليكون ارتفاع العمود يشمل طوله (18 ذراعًا) مضافًا إليه ارتفاع سقف الرواق فيتفق مع ما ذكر مِن كون ارتفاع العمودين 35 ذراعًا، مع ما فيه مِن مخالفة لما ورد في سفر أخبار الأيام الثاني أن العمودين أمام الهيكل لا فوق سقف الرواق.

3- ورد في سفر الملوك الأول الإصحاح السابع الفقرات 23 - 26، وفي أخبار الأيام الثاني الإصحاح الرابع الفقرتين 2 -3، في وصف الحوض الدائري المستدير الذي يغتسل مِن مائه الكهنة أمام الهيكل أن طول الحوض مِن شفته إلى شفته -أي قطره-: عشرة أذرع، وأن خيطًا يحيط بالحوض، أي يمثـِّل محيط الحوض، طوله 30 ذراعًا.

وعند التدقيق نجد أن المحيط = 2ط نق، حيث نق = ½ قطر الحوض = 5 أذرع، ط مقدار ثابت = 22/7، فيكون المحيط بالضبط = 31.4 ذراعًا، بزيادة 1.4 ذراعًا عما ذكر. وقد ورد أيضًا في سفر الملوك الأول ( 7/ 26) أن الحوض يسع ألفي بثا ( البث: وحدة قياس للحجم)، بينما ورد في أخبار الأيام الثاني (4/ 5) أنه يسع ثلاثة آلاف بثا، فهذا الاختلاف في السعة تناقض آخر في تقدير سعة الماء التي يسعها نفس الحوض.

4- ورد في سفر الملوك الأول، الإصحاح التاسع (الفقرة 28) أن: وزن الذهب الذي أرسله الملك ( حورام) مِن مدينة (أوفير) إلى سليمان لكسوة حوائط الهيكل وأبوابه وبعض عناصره كان 420 وزنة ذهب، بينما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثامن، الفقرة 18 أن وزن هذا الذهب كان 450 وزنة ذهب! وهو تناقض واضح حول نفس الحدث.

5- ورد في سفر أخبار الملوك الأول الفصل الخامس الفقرة 17، وفي أخبار الأيام الأول، الفصل الثاني والعشرين في الفقرة 2، في وصف الحجارة المستخدمة في بناء الهيكل أنها كانت حجارة كريمة، كبيرة، مربعة الشكل، والمتعارف عليه قديمًا وحديثًا في البناء عدم استخدام الحجارة المربعة الشكل في بناء حوائط وأساسات المباني، بل تستخدم الحجارة المستطيلة بصفةٍ أساسية، وعلى هذا جرى ويجري عمل المتخصصين في هذا الشأن، فهو مِن مبادئهم الهندسية والإنشائية، ويؤيده الواقع المرئي؛ إذ أن كل الحجارة المستخدمة في كل مباني القدس الأثرية هي حجارة مستطيلة الشكل، بما في ذلك السور الحجري للمسجد الأقصى، وكذلك حائط البراق، والذي يسميه اليهود حائط المبكى.

6- ورد في سفر (حزقيال): (40: 5)، (42: 15-19) أن: حزقيال -وهو أحد أنبياء بني إسرائيل كما في التوراة- رأى رؤيا مفصَّلة للهيكل، وأن الرب أمره أن يخبر بني إسرائيل بها، وفيها أن السور المربع الشكل الذي يحيط بالهيكل وما حوله كان طول الضلع الواحد مِن هذا المربع 500 قصبة، وأن هذه القصبة التي قيس بها كان طولها 6 أذرع وشبر واحد، فإذا كان الذراع = 50 سم، والشبر = 20 سم، فيكون طول القصبة = 3.2 م، و يكون طول الضلع الواحد مِن سور الهيكل المربع الشكل = 500 قصبة مضروبة في 3.2 م = 1600م.

وعليه تكون المساحة الكلية للهيكل وما حوله = مربع طول الضلع الواحد أي 1600م، مضروبة في 1600م = 2.56 كيلو مترًا مربعًا، وهذا يتناقض تمامًا مع المساحة الإجمالية لمدينة القدس القديمة داخل أسوارها، والتي تبلغ واحد كيلو مترًا مربعًا فقط، فهذه المبالغة في وصف الهيكل في سفر حزقيال تجعل مساحة الهيكل تساوي مرتين ونصف مرة ضعف مساحة مدينة القدس ككل، والذي يفترض أن الهيكل هو جزء مِن المدينة وداخل فيها! (راجع المصدر السابق "المسجد الأقصى أم الهيكل المزعوم؟" ص: 183 -224).

وقد بني المسجد الأقصى في حياة يعقوب -عليه السلام-، وجدد بناؤه في عهد سليمان -عليه السلام-، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفضيلة الصلاة فيه، وقد صلى فيه أنبياء كثيرون ومعهم الموحدون مِن صالحي بني إسرائيل، وغيرهم.

فلما فسد بنو إسرائيل ووقعوا في الكفر والشرك، عوقبوا بالقتل والسبي والأسر إلى بابل، وتدمير مملكتهم، ومدينة داود ومسجدها، ثم أعيد بنو إسرائيل إلى القدس وبني المسجد مرة أخرى، فلما عادوا للإفساد في الأرض وتركوا التوحيد عوقبوا في المرة الأخيرة بالقتل والشتات في الأرض، ودمرت مدينتهم ومسجدها مرة أخرى، وحُرموا مِن العودة لهذه الأرض المباركة.

والتي أورثها الله -تعالى- للمسلمين الموحِّدين مِن أمة النبي -صلى الله عليه وسلم-:

1- فكان إسراؤه -صلى الله عليه وسلم- ومعراجه مِن المسجد الأقصى، واجتماعه بالأنبياء مِن قبله فيه، وصلاته إمامًا لهم فيه، ولا يؤم الرجلُ الرجلَ في سلطانه.

2- وكان دخول المسلمين الموحدين للقدس، وإزالة سلطان الرومان غير الموحدين منها، وإعادتهم بناء المسجد الأقصى للصلاة، وعبادة الله -تعالى- فيه مِن جديدٍ.

3- وقد أشار القرآن الكريم إلى تاريخ بني إسرائيل والمسجد الأقصى، ونهاية ارتباط اليهود به -كما ذهب إليه الكثير مِن المفسرين- في قوله -تعالى- في سورة الإسراء: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء:4 -8).

فهذا هو المعروف المعلوم عن المسجد الأقصى، تؤكده الحقائق والآثار التاريخية، وتستريح له النفس؛ أما زعم اليهود حول البديل للمسجد الأقصى -وهو هيكلهم المزعوم!-؛ فهو مما لا يعرف لمكانه موضع، وليس له على الواقع أي أثر، إلا ما أورده اليهود في كتبهم التي طرأ عليها التحريف والتبديل، وقد ذكرنا طرفًا منها، وما فيها مِن الاضطراب والتهويل ما يذهب بمصداقيتها.

ومِن أوجه مخالفة تاريخ الهيكل وبنائه التي عند اليهود لتاريخ المسجد الأقصى غير ما ذكرنا:

1- يزعم اليهود أن بدء بناء الهيكل كان في زمن سليمان -عليه السلام-؛ لا في عهد إبراهيم ويعقوب -عليهما السلام-.

2- يزعم اليهود أن الهيكل مكون مِن قدس الأقداس، وبه تابوت العهد، وهو صندوق يُحفظ فيه نسخة مِن توراة موسى -عليه السلام-، وبه المذبح الذهبي لذبح القرابين، وبعده البهو المقدس، وهو المكان المخصص لاجتماع الناس وإقامة الشعائر، ثم قاعة المدخل، وهي التي تلي باب الهيكل مِن الخارج، وهناك عمودان: أحدهما عن اليمين ويسمى (ياكين)، وهو اسم أحد أحفاد يعقوب مِن سبط شمعون، والثاني عن اليسار ويسمى (بوعز)، وهو اسم أحد أبطال سبط يهوذا القدماء.

وفي صحن المدخل مذبح في الهواء الطلق لتصعيد القرابين التي تحرق بالنار مِن الذبائح، وعن يسار المذبح الخارجي يوجد حوض نحاسي كبير لاغتسال الكهنة، وبناء الهيكل -لا سوره الخارجي الذي يضم الهيكل وما حوله- مستطيل، واتجاهه مِن الغرب إلى الشرق (نحو الشمس)، فتلك قبلته، ولا يعلم لماذا هذا الاتجاه وهذه القبلة؟ إذ لا يعلم وجود شيء مهم في هذا الاتجاه! وهذا يعني أن اتجاه الهيكل كان عموديًّا على اتجاه المسجد الأقصى مِن أول بنائه، فهما متعامدان في الاتجاه.

قال د."حسن ظاظا" في كتابه (القدس: مدينة الله أم مدينة داود؟) (ص: 56-57): "هناك أيضًا أمر يستحق الانتباه، وهو أن الحرم الإسلامي الشريف مستطيل، واتجاهه مِن الشمال إلى الجنوب (في اتجاه القبلة بمكة المكرمة)، أما معبد سليمان فهو مستطيل، لكن اتجاهه مِن الغرب إلى الشرق (نحو الشمس)، وهو الاتجاه العام في المعابد القديمة في بابل أو مصر أو غيرهما مِن أقطار الشرق الأدنى والأوسط، وإذن فلا يمكن التسليم برأي مَن يدعون أن الحرم يقوم تمامًا على ما كان سابقًا يسمَّى هيكل سليمان حتى لو سلمنا أن الهيكل كان في هذا الركن بالذات مِن الجبل، وهذا لا دليل عليه إلا العنعنات التي اتخذت في نفوس البعض منزلة مقدسة لتكرارها عبْر الأجيال!".

ويقول د."حسن ظاظا" أيضًا ( ص:58) مؤيدًا الكاتب الأمريكي (لويس براون) في كتابه (حياة اليهود): "لم يكن المعبد لا فخمًا ولا ضخمًا؛ إلا في أعين اليهود البسطاء الذين لم يكونوا مِن الحضارة إلى درجة يطمحون معها في انجازات معمارية كالتي في نفس العصر في مصر الفرعونية أو بابل أو أشور أو إيران أو الهند"، ومعلوم أن المسجد كدور عبادة لا يحتاج إلى الضخامة وشدة الزخرفة والمبالغة فيها.

تنبيه: يطلق الناس تسمية الحرم القدسي الشريف على المسجد الأقصى، وهي تسمية خاطئة، ففي الإسلام حرمان فقط متفق عليهما، هما: "المسجد الحرام بمكة - والمسجد النبوي بالمدينة"، وللحرم المكي والنبوي أحكام خاصة دون غيرهما في كتب الفقه.

3- يزعم اليهود أن سليمان -عليه السلام- لم يكن نبيًّا، بل كان ملكًا على بني إسرائيل، وأنه لم يمت إلا بعد أن وقع في الشرك وعبادة غير الله -تعالى-، ونال بذلك غضب الله -تعالى- عليه، وهذه جرأة عظيمة في التحريف وتزييف التاريخ، ونسبة الشرك وارتكاب الكبائر للأنبياء، تكررت عندهم؛ فلوط -عليه السلام- زنى عندهم بابنتيه!

وهارون -عليه السلام- عندهم هو الذي صنع العجل وعبده مع بني إسرائيل!

وسليمان عبد مع زوجاته آلهة الوثنيين! إلخ.

فلا تعجب ممَن هذا دأبهم أن يحرِّفوا الكلام عن الهيكل.

يقول عادل المعلم في كتابه: (داود وسليمان في العهد القديم والقرآن، ط.مكتبة الشروق الأولى عام 2000 ص: 97-98) عن الأجزاء التي ورد فيها ذكر بناء الهيكل في التوراة: "يشكل كتاب الملوك الأول وكتاب الملوك الثاني سفرًا واحدًا في التوراة العبرانية، وهما جزء مِن الأدب النبوي -يعني مِن كلام الأنبياء عندهم-؛ وذلك لأن نبيًّا مِن الأنبياء قد صنف بوحيٍ مِن الروح القدس هذين الكتابين معًا في نحو القرن السادس قبْل الميلاد، ويغطي هذان الكتابان حقبة تاريخية تقارب ثلاث مائة وخمسين سنة حكم خلالها عددٌ مِن الملوك على إسرائيل؛ لهذا دعي هذان الكتابان بهذا الاسم. يستهل كتاب الملوك الأول بوفاة داود وخلافة سليمان ابنه ملكًا على بني إسرائيل، ثم بناء الهيكل في أورشليم، وما أصاب المملكة مِن انقسام بعد موت سليمان، فقامت مملكة يهوذا في الجنوب ومملكة إسرائيل في الشمال. وينتهي الكتاب بوصف تفصيلي للصراع الذي نشب بين إيليا النبي وأخاب ملك إسرائيل".

ثم يعقـِّب في آخر كتابه (ص: 126) على ما ورد عن سليمان -عليه السلام- في هذين الكتابين بقوله: "أما نبي الله سليمان فهو ابن داود مِن زوجة أوريا الحيثي، زنا داود بها قبْل أن يغتال زوجها، ثم أنجبت له سليمان. وإذا كانت هذه بداية سليمان -ابن زانية طبقًا للعهد القديم -فإن نهايته كفر وعبادة آلهة أخرى! وبالمناسبة فسليمان -النبي الذي كفر- هو الذي بنى هيكل سليمان، وبعد دماره أمر الملك الفارسي قورش (وهو ملك وثني كما هو معلوم عنه) بإعادة بنائه بأوامر إلهية! ولمثل هذا الهيكل، بمثل هذه القصص مِن العهد القديم، يريد اليهود هدم المسجد الأقصى لبناء الهيكل الثالث!".

وإذا كان هذا هو تحريفهم حول صاحب البناء -سليمان عليه السلام-؛ فلا تستبعد منهم التحريف حول البناء نفسه!