إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 14 يناير 2018 - 27 ربيع الثاني 1439هـ

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (3)

كتبه/ أسامة شحادة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال العلامة السعدي -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: "هذا أمرٌ منه -تعالى- للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبّت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبّر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعدٌ مِن كريمٍ صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، مِن الثبات وغيره" (انتهى).

فكيف يكون نصر الله -عز وجل- اليوم؟!

3- (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ):

مرَّ معنا مِن قبْل أن نصرة دين الله -عز وجل- التي تجلب نصر الله -عز وجل-، تقوم على الاستقامة على المنهج الحق، واليقين في الإيمان المتمثل بما جاء به الوحي الرباني في القرآن والسُّنة، وطاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل ما أمر به ونهى عنه، وبقدر تحقق هذا في واقع المسلمين يكون نصر الله -عز وجل- للمسلمين، وهذا ميزانٌ واضحٌ لقياس حال المسلمين في كل عصرٍ ومصرٍ، ولذلك يحقق المسلمون نصرًا جزئيًّا غير تام في مواضع كثيرة بسبب خللٍ في الاعتقاد أو العمل.

ولإتمام النصر يلزم إتمام الاستقامة الاعتقادية والطاعة العملية، ولعل في سلوك المسلمين اليوم بمناسبة العام الميلادي الجديد مثالًا بيّنًا لخلل الاعتقاد والطاعة عند شريحةٍ ليستْ بالقليلة، فهناك مِن المسلمين مَن يقضي تلك الليلة منغمسًا في شهواته!

وهناك مَن لا يعبأ حتى بالخلفية العقدية لتلك الليلة، والمصادِمة لعقيدة التوحيد الإسلامية!

وهناك مَن يتجنّب المعاصي فيها، لكنه ينساق خلف بعض الفتاوى الشاذة المحدَثة بجواز تهنئة غير المسلمين في أعيادهم الدينية!

وهناك مِن المسلمين مَن وقاهم الله مِن معاصي هذه الليلة، وأبعادها الاعتقادية، والتورط في تهنئةٍ غير جائزة، مع حسن عشرتهم وجيرتهم لغير المسلمين، وهم أهل الفلاح -بإذن الله-.

ومِن هنا تأتي أهمية التعلم والعلم الشرعي في تحقيق النصر واستكمال عدّته، ومِن هنا أيضًا: جاءت الأفضلية في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) (متفق عليه).

وتعلُّم القرآن وتعليمه: يشمل تعلم وتعليم قراءته وأحكامه، وآدابه ونواهيه والعمل بها، وهو الثمرة الحقيقية لتعلم القرآن؛ وإلاّ أصبح القرآن للطرب والمآتم فقط!

ومتى التزمتِ الأمة منهج العلم والتعلم في دينها ودنياها؛ نصرت نفسها أولاً، وتحقق لها نصر الله -عز وجل- ثانيًا.

وما أجمل قول الإمام ابن باديس -رحمه الله-: "العلم هو المقدمة الضرورية لكل عملٍ، ومَن دخل في العمل بغير علمٍ لا يأمن على نفسه مِن الضلال، ولا على عبادته مِن مداخل الفساد والاختلال، وربما اغتر به الجهال، فسألوه فاغتر هو بنفسه، فتكلم بما لا يعلم؛ فضلّ وأضلّ!".

وكم ينطبق هذا على كثيرٍ مِن المسلمين -أفراد وجماعات-؛ فكان جهلهم سبب إخفاقهم عن التمام والكمال!

وأختم بعبارة نورانية للخليفة العالِم الزاهد العادل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يقول فيها: "مَنْ عَمِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ!"، وهذا تفسير نكث كثير مِن المسلمين -أفراد وجماعات ودول- لجهودهم ومجهودهم بسبب جهلهم وتفريطهم بالعلم والتعلم؛ فتعلّموا يا عباد الله لتنصروا الله، وينصركم الله.