إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 13 يناير 2018 - 26 ربيع الثاني 1439هـ

حول قرار طالوت (خوض المعركة)

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد قصَّ الله -تعالى- علينا قصة "طالوت وجالوت" في سورة البقرة.

ومفاد القصة: أن طالوت قد اختاره الله -تعالى- لقيادة جيش بني إسرائيل لخوض معركة مع الأعداء الظالمين، وهم الذين قَتلوا عددًا كبيرًا مِن بني إسرائيل، وأسروا آخرين، وأخرجوهم مِن أرضهم بقيادة بختنصر؛ لذا قالوا: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (البقرة:246).

ثم كان مِن أمر بني إسرائيل -وهم الذين طلبوا الجهاد في سبيل الله- أن تراجع كثيرٌ منهم عن الجهاد: قال -تعالى-: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ) (البقرة:246).

ثم اعترضوا على قيادة طالوت للجيش: قال الله -تعالى-: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247)، ثم كانت مرحلة التصفية النهائية وتنقية الجيش، وكان الاختبار في هذه المرحلة عبارة عن الامتناع عن شرب الماء، قال لهم طالوت: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) (البقرة:249)، وللأسف شَرِب أغلبهم مِن النهر ورسبوا في الاختبار، وهناك قلة اكتفتْ بغرفةٍ واحدة أجازها لهم طالوت.

ومِن العجيب: أن مَن تتابع منهم في الشرب الذي نهي عنه لم يروه, ومَن لم يطعمه إلا كما أمر "غرفة بيده" أجزاه وكفاه.

وهنا قرر طالوت استبعاد كل مَن ضعف أمام شهوة شرب الماء، ورأى أن هؤلاء غير مؤهلين لخوض تلك الحرب، وأحوالهم لا تتناسب مع هذا الموقف الجهادي الذي يحتاج إلى رجالٍ مِن نوعٍ خاص، رجال لهم مواصفات خاصة.

ويُقال إن بني إسرائيل كانوا ثمانين ألفًا، ورد ذلك عن السدي وعكرمة، وعن ابن عباس أنهم كانوا سبعين ألفًا، وقال مقاتل: مائة ألف، فلما أتوا إلى النهر شرب أكثرهم ولم يعبر النهر إلا ثلاثمائة وبضعة عشر، كما ثبت عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا نَتَحَدَّثُ: أَنَّ أَصْحَابَ بَدْرٍ ثَلاَثُ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، بِعِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ، الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ" (رواه البخاري).

وكان مِن هؤلاء داود -عليه السلام-، وهنا يتخذ طالوت قرارًا بردّ واستبعاد كل مَن ضعف أمام شهوة شرب الماء، وكان قرارًا صعبًا مِن قائدٍ لجيشٍ كبير؛ لقد استبعد أكثر مِن 99.5% مِن الجيش!

ما أصعب هذا الموقف؟!

كيف يقاتل بقلةٍ قليلة جدًّا عدوًّا هائلًا؟!

ولكن هكذا الإيمان بالله -تعالى-، قال -تعالى-: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة:250-251).

وصدق الله إذ يقول: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249)، فهكذا تصنع قوة الإيمان واليقين بالله -تعالى- رغم تفاوت الأعداد، مع مراعاة موازين القوى وفقه الواقع.

والله المستعان.