إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 02 يناير 2018 - 15 ربيع الثاني 1439هـ

أمة لن تموت!

كتبه/ وليد شكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن المسلم يختلف عن غيره في انتصاراته وإنجازاته؛ فلا عُجب، ولا غرور، ويختلف عن غيره في شدائده وملماته؛ فلا يأس ولا قنوط، وقد لوحظ في الأزمة الأخيرة انتشار شعور باليأس بيْن المسلمين عامة حتى تسرب ذلك إلى بعض أبناء العمل الإسلامي، وهذا يدل على غياب حقائق شرعية وسنن كونية عنا ينبغي أن تكون ماثلة أمامنا في مثل تلك الأزمات، فنتعامل مع الأزمة بما تقتضيه، ونتفاعل معها بما يناسبها مِن مشاعر، ولكن ونحن نصطحب تلك الحقائق حتى لا يستبد بنا يأس أو يسيطر علينا إحباط.

أولها: علمنا بسنة التداول، وقد أشار إليها القرآن بقوله -تعالى-: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران:140).

والمعنى: أن تلك القوى المسيطرة، وهذه الدول المتجبرة لن تظل كذلك أبدًا، ولن تعمر هكذا طويلًا، وإن خيل إليها أنها ستكون كذلك؛ فقد وجد عبْر التاريخ دول أكثر تجبرًا، وأمم أشد فسادًا، وقد أبيد الجميع!

وإلا فأين حضارة الرومان؟! لم يبقَ منها إلا متاحف وأطلال!

وأين دولة الفراعنة؟! لم يبقَ منها إلا جثث وأحجار!

وفي الزمن القريب: أين إمبراطورية إنجلترا التي لم تكن تغيب عنها الشمس؟!

وأين الاتحاد السوفيتي؟!

الكل ذهب ولن يعود، وكما ذهب هؤلاء سيذهب أولئك ولا بد! (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)

ثاني هذه الحقائق: أن أمة الإسلام أمة باقية؛ لأن رسالة الهداية التي تحملها لا غناء للبشرية عنها بعد ختم الرسالات وانقطاع النبوات (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران:110)، فأمة الإسلام تمرض، لكنها أبدًا لا تموت، وتغيب عن الساحة، لكنها لا تنتهي مِن الوجود، ويخبو نورها زمانًا، لكن المشعل الذي تحمله لا ينطفئ؛ حتى لا يبقى أحدٌ في الأرض يقول: "الله، الله".

وقد علَّمنا التاريخ: أن هذه الأمة عندما تُعافى مِن مرضها؛ تصبح أصح مما كانت، وعندما تقوم مِن كبوتها تصير أثبت مما كانت؛ وإلا فكيف تفسِّر قوة دولة الإسلام واتساع رقعته بعد أزمة الردة التي توقف فيها الأذان إلا في مكة والمدينة، والطائف، وهجر بالبحرين حتى قال بعضهم لأبي بكر: "ادخل بيتك، وأغلق عليك بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين!"، وغيرها مِن الأزمات كثير.

ثالثها: أن حقيقة الحرب ليستْ كما نتصور نحن بيْن غرب قوي غني عالم، وبين شرق ضعيف فقير جاهل؛ هذا التصور هو الذي يولِّد اليأس، أما التصور الحقيقي؛ فهو: أن هذه حرب في مجملها بيْن الخالق العزيز الغني القوي، وبيْن فئة مِن الخلق تعاديه -سبحانه- وتحارب دينه، وحرب كتلك معلومة النتائج، محسومة العواقب؛ إذ أنه -تعالى- عزيز لا يغلب، بل لا يغالب، وهذا المعنى يتكرر في القرآن، ونحن عنه غافلون، قال الله -تعالى-: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (الأنفال:17)، وقال -تعالى-: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال:30)، وقال -تعالى-: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا . وَأَكِيدُ كَيْدًا) (الطارق:15-16)، إذن ما المسلمون إلا جنود وأسباب يحقق الله بهم نصره متى كانوا يصلحون لذلك.

فالواجب علينا في مثل هذه الأزمات أن نحول الحزن والغضب إلى عملٍ وجهدٍ في إصلاح الأمة وشبابها؛ هذا الشباب الذي إن استقام فتح الله له البلاد، وصلح به أمر العباد كما حدث مع ذاك الجيل الذي فتح به يوشع بن نون -عليه السلام- بيت المقدس بعد جيل مِن الآباء لم يصلحوا لذلك؛ ولو كان قائدهم موسى -عليه السلام- الذي هو مَن ربَّى وعلَّم يوشع بن نون -عليه السلام-: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21)" (بتصرف مِن أمة لن تموت، للدكتور راغب السرجاني).