إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 01 يناير 2018 - 14 ربيع الثاني 1439هـ

لا بد للمصلح مِن مشروع يترك مِن خلاله بصمة وأثرًا

كتبه/ أسامة شحادة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمَن سار في مسار الإصلاح، واقتفى السنن الربانية، وميّز الشر ودرجاته، وحرص على أن يكون في دائرة الحل، وأتقن أسس حل المشكلات، واتّصف بالكفاءة والفعالية، فلا بد أن يتوّج ذلك كله بتبنّي مشروع يعمل مِن خلاله، ويمارس الإصلاح في إطاره مما يترك له في واقع الحياة بصمة وأثرًا تبقى عقِبه، وتكون لبنة في جدار نهضة الأمة ورفعتها.

ولا يشترط أن يكون المشروع الإصلاحي كبيرًا وضخمًا، بل قد يكون محدود التأثير أو المساحة، لكنه في غاية الأهمية، وتكون نتائجه في غاية القوة والضخامة، فهذه أم سفيان الثوري تقول له: "يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك من مغزلي، يا بني إذا كتبتَ عشرة أحاديث -وفي رواية: عشرة أحرف- فانظر هل ترى في نفسك زيادة في مشيك وحلمك ووقارك؟ فإن لم تَرَ ذلك فاعلم أنه يضرّك ولا ينفعك!".

فقد كان مشروعها رعاية طالب علم واحد فقط، وفعلًا نجح مشروعها وأنتج للأمة عالِمًا كبيرًا، بل سيد العلماء في عصره، فقد كان فقيهًا له مذهب معتمد، وكان محدثاً، بل إمامًا للمحدثين في عصره، وكان آية في الورع والزهد، وهو مِن تابعي التابعين.

والمشروع الإصلاحي قد يكون مرحليًّا ينتقل المصلح منه إلى غيره لتحقق غرضه أو توسع قدراته أو تبدل الأحوال والظروف، وهذا أمر واضح ومشهود في سيرة كثير مِن المصلحين والمجددين: فـ"ابن باديس - والإبراهيمي" كان مشروعهما في البداية نشر المعرفة والدين في محيطهما، ثم انتقل المشروع ليصبح أكثر اتساعًا فيشمل معظم مناطق الجزائر، كما تبدلت وسائلهم مع تأسيس جمعية العلماء المسلمين، فأصبح بناء المدارس وتأسيس المجلات، وابتعاث الطلبة لجامع الزيتونة بتونس والقيروان بالمغرب، والمساهمة في الشئون السياسية والسفر لفرنسا لهذا الغرض، وتأسيس فرع لجمعية العلماء المسلمين هناك لرعاية الجالية الجزائرية في المهجر، في تطور للمشروع وتبدّل بحسب المراحل والتطورات والإنجازات، وتعاظم القدرة والإمكانية.

فعلى الراغب بالإصلاح ومع تراكم التجارب والخبرات أن يبحث عن مشروعٍ يناسِب قدراته وإمكانياته، وواقعه وتحدياته، ويقوم بهذا المشروع ويكرس طاقته ووقته له فيجتمع له وضوح الهدف، وتركيز الجهد وبناء الخطة، وتفعيل الكفاءة والفعالية، وتفعيل دائرة التأثير لتتوسع لتطابق دائرة الاهتمام، وعندها بتوفيق الله -عز وجل- والصدق والإخلاص في النية والقصد يتكون الأثر والبصمة التي تخلّد هذا المشروع.

ومِن المشاريع الإصلاحية في عصرنا الحاضر: مشروع العلامة "الألباني" -رحمه الله- الذي حدّده وأعلنه مبكرًا، ومشروع "تقريب السُّنة بيْن يدي الأمة" والذي نجح فيه -رحمه الله- بشكلٍ منقطع النظير، سواء على صعيد ما أنتجه مِن مؤلفاتٍ قرّبت السُّنة النبوية للمسلمين في هذا العصر، أو في إحيائه علم التخريج والتحقيق للحديث النبوي، أو تشكيله لتيارٍ علمي كبيرٍ وواسعٍ، يلتزم فقه الكتاب والسُّنة، ورفض التعصب المذهبي المذموم.

فاحرص -يا رعاك الله- أن يكون لك بصمة وأثر مِن خلال مشروع إصلاحي تجمع عليه همك، وتبذل فيه وسعك.