إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 28 ديسمبر 2017 - 10 ربيع الثاني 1439هـ

لا تضع القطن في أذنيك!

كتبه/ أحمد حمدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي يوم مِن الأيام؛ قدِم الطفيل بن عمرو الدوسي -مِن قبيلة دوس- إلى مكة، بعد أن صَدَع النبي -صلى الله عليه وسلم- بدعوته، ونزل عليه الوحي، فقام الجهاز الإعلامي الكاذب المشوِّه مِن كفار قريش بتحذير الطفيل مِن أن يسمع للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا له: لا تسمع له حتى لا يسحرك، وإنه يفرق بيْن المرء وزوجه، وبيْن الابن وأبيه، ويسفـِّه دين الآباء والأجداد!

ولم يزالوا به حتى وضع القطن في أذنيه، ثم بعد فترة قال لنفسه: "يا طفيل، إنك لرجل لبيب عاقل، تميز الكلام!"؛ فنزع القطن مِن أذنيه، وسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- فأسلم.

وكثير مِن الناس اليوم لا يريد أن يسمع أصلًا مِن المخالِف له ويضع القطن في أذنيه، وعنده قراره المسبق، وانطباعه الذي لا يريد أن يغيره، وليس عنده إنصاف ولا عدل.

ويسمع للإعلام الذي ينشر الافتراء والأكاذيب والإشاعات، والأخبار المفبركة، والعناوين غير المعبِّرة عن الحقيقة والقص واللصق، ويردد العبارات مِن أن هؤلاء: "انتهازيون - عملاء - خونة - منافقون - متشددون - تكفيريون - إرهابيون - متطرفون!" دون أن يكون معه بيِّنة، ولا دليل ولا برهان على ما يدعي، ويلقي التهم جزافًا!

وللأسف تجد مَن يصدق ذلك وينشره "ويشيره" على مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي دون عقلٍ أو وعي؛ فالإنصاف "إذا سمعتَ عني؛ فاسمع مني"، ومِن الإنصاف أن تسمع مِن الطرفين وليس مِن طرفٍ واحدٍ!

تذكر قول مصعب بن عمير -رضي الله عنه- عندما جاء إليه سعد بن معاذ -رضي الله عنه- متوعدًا ومهددًا له: "أوَتجلس فتسمع إن كان خيرًا؛ انتفعتَ به، وان كان غير ذلك كففناه عنك!"؛ فسمع منه فأسلم، وتذكر قول "مؤمن آل فرعون" عندما قال لقومه: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) (غافر:28).

وقال -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصلت:26).

فقد حرص الأعداء على التشويش؛ ليقينهم بأن الحق له رصيد كبير في القلوب والفطر السليمة، ولو خُلي بيْن الناس وبيْن سماع الحق، ولم يوضع حواجز لآمنوا؛ فعند المجادلة والمناظرة تجد انتصار الحجة كما حدث في مناظرة موسى -عليه السلام- مع فرعون، ومناظرة إبراهيم -عليه السلام- مع النمرود؛ فتجد هؤلاء إذا فشلوا في الإقناع لجأوا إلى البطش والعنف والكذب!

علاوة على كثيرٍ مِن المعاني الشرعية مِن إحسان الظن، وعدم التفتيش عن القلوب والنيات، وعدم الحكم بالظن، والتثبت مِن الأخبار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات:12)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (يونس:36)، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات:6).