إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 24 ديسمبر 2017 - 6 ربيع الثاني 1439هـ

كلمات عن "القدس"

كتبه/ سعيد الروبي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالقدس تئن، تتألم، القدس حزينة جريحة، أسيرة، محتلة تحت سلطة الاحتلال اليهودي الصهيوني يتحكمون في أمورها، وفي القدس ظلم اليهود المسلمين والنصارى، وضاعفوا الظلم على المسلمين؛ أخذوا البيوت مِن أهلها، وأخذوا الأموال مِن أصحابها؛ سجنوا الأبرياء وروعوا الأطفال، وأهانوا النساء؛ حتى الأشجار لم تسلم مِن ظلمهم؛ فقد قلعوها، والأراضي بوروها، والبيوت هدموها، حتى مقابر المسلمين لم تسلم فقد نقلوها وأبعدوها!

والمسجد الأقصى تحكموا في بواباته؛ يسمحون لأعمارٍ معينة، ويمنعون أعمارًا معينة مِن الصلاة فيه في أيام الجمع؛ يسمحون للمستوطنين بساعاتٍ معينة محددة يدخلون فيها إلى ساحات المسجد الأقصى عرايا إلا مِن ملابس قصيرة، ويمنعون خلالها المسلمين مِن مسجدهم!

أسالوا الدماء في ساحات وباحات المسجد الأقصى، وقذفوا القنابل المسيلة للدموع داخل المسجد عدة مرات؛ لقد انتهكوا حرمة المسجد في جرأة ووقاحة، وخسة ونذالة.

وعلى مدار سنواتٍ وأعوامٍ تتكرر المشاهد السابقة، ويهجِّرون المسلمين مِن المدينة المقدسة، ويفرغونها مِن أهلها وسكانها الأصليين بخطة ممنهجة، ومدروسة ومنظمة، وبأسبابٍ لا تستحق أبدًا التهجير، ولا الإبعاد، ولا الحرمان؛ حتى أصبحت أوضاع المسلمين داخل المدينة المقدسة في غاية الخطورة والصعوبة والحرج، والمحاولات مستمرة لإفراغ المدينة مِن سكانها المسلمين، واليهود لا يهدأ لهم بال، ولا تتوقف خطواتهم وإجراءاتهم ضد المسلمين، بل تستمر وتتواصل وتتزايد.

إنهم يغيرون التركيبة السكانية لصالحهم تمامًا، ويريدون السيطرة الكاملة والمطلقة على كل شبرٍ في المدينة المقدسة؛ فهم يريدون "القدس" لهم وحدهم عاصمة لهم، ويريدون بناء هيكلهم إما مكان المسجد الأقصى، وإما مكان مسجد قبة الصخرة، أو على أقل تقدير في أي مكانٍ داخل أسوار المسجد الأقصى وحدوده الكبيرة المستطيلة!

وكل هذه الأمور لا حقوق لهم فيهم؛ فهم مغتصبون احتلوا فلسطين بالقوة العسكرية المسلحة؛ احتلوا أجزاءً مِن فلسطين عام 1948م، ثم احتلوا كامل فلسطين بما فيها القدس عام 1967م، ويريدون التوسع لإقامة إسرائيل الكبرى مِن النيل إلى الفرات وعاصمتها القدس!

ويستغلون حالة الضعف والتمزق والانقسام التي تمر بالدول العربية الإسلامية لتنفيذ مخططاتهم، ويتعاونون ويتحالفون مع أمريكا التي تؤيدهم وتدعمهم بالأموال والأسلحة، والتأييد المطلق؛ بالإضافة إلى العديد مِن الدول ذات القوة والتأثير، وأصبح العبء ثقيلًا على الفلسطينيين  في داخل فلسطين، وفي داخل القدس خاصة؛ فالضغط عليهم شديد، والتعاون معهم مِن العرب والمسلمين ضعيف، وصار الوصول إلى فلسطين وإلى القدس مستحيلًا؛ إلا بموافقة اليهود وتصريحهم!

لقد كبلوا وقيدوا الدول المجاورة باتفاقيات ومعاهدات هي في صالح اليهود، وتوفِّر لهم الحماية الكبرى، والدول التي لم توقع معهم اتفاقيات ومعاهدات أشغلوها بالحرب الأهلية، وسعوا في نشر الانقسامات والخلافات داخلها حتى باتوا تقريبًا في شبه مأمنٍ مِن التهديد والأخطار، وأرادوا الاستفراد بالقدس والفلسطينيين، وهم حاليًا في غاية التعجل لتنفيذ أهدافهم ومخططاتهم مستغلين الفرصة، وهي مناسبة بالنسبة لهم، فالعرب والمسلمون في حالة ضعفٍ وتشرذم، وانقسامٍ وصراعاتٍ داخلية مرعبة وفظيعة.

إن ميزان القوة حاليًا هو لصالح إسرائيل -للأسف الشديد-، ولكن هذه الأمة -بفضل الله- لا تموت، قد تنشغل، وقد تتصارع، ولكن إذا جدَّ أمرٌ يتعلق بالقدس، وحدث خطر يهدد أهلها أو المسجد الأقصى؛ فإن هذه الأمة تهب وتنتفض، ويهون عليها عمل أي شيء لحماية القدس والأقصى؛ لذلك فاليهود ومَن والاهم يلجأون إلى الإجراءات الهادئة والخطوات الخفية، وهنا مكمن الخطورة.

ومع أن طبيعة الإنسان اليهودي هي الخوف؛ إلا أنهم تجرأوا علينا بسبب ضعفنا ومعصيتنا لله رب العالمين؛ إنهم يحاولون حسم الصراع وحسم القضية الآن بعقد صفقة أطلقوا عليها: "صفقة القرن!"، وقد فشلتْ قبْل أن تبدأ! وأتوقع لها مزيدًا مِن الفشل.

إن المساس بالقدس أو بالمسجد الأقصى يوقظ المسلمين، وينبههم ويثيرهم؛ لأن القدس والمسجد الأقصى لهما عند المسلمين مكانة متميزة، نابعة مِن القرآن والسُّنة النبوية الشريفة، وكل المحاولات السابقة لحسم القضية لصالح اليهود قد فشلتْ "إما كليًّا أو جزئيًّا": كاتفاقية "كامب ديفيد" أو "اتفاقية أوسلو" أو غيرها مِن الخطوات؛ فلا استقرت الأحوال لصالح اليهود، ولا لصالح الفلسطينيين، ولا لصالح العرب، ولا لصالح المسلمين؛ الأوضاع كما هي؛ فلمَن يحسم الصراع؟!

ولصالح مَن تنتهي القضية؟!

عندنا في النبوءات أن القدس ستحرر وتعود لسلطان المسلمين وحوزتهم، ولكن كيف؟ ومتى؟ والموازين في غير صالح المسلمين!

الإجابة موجودة  في القرآن والسُّنة النبوية الشريفة:

فالنصر له أسباب ومقومات، بعضها مادي بشري، وبعضها إيماني ديني "وهو الأهم"، وللأسف الأسباب المادية البشرية غير متوفرة بالقدر الكافي، وأيضًا الأسباب الإيمانية الدينية أيضًا غير متوفرة بالقدر الكافي؛ فالأسباب المادية تتضمن الإعداد بالأفراد والسلاح، والتدريب والتجهيز، والتخطيط بكل ما يلزم ويتاح.

والأسباب الإيمانية الدينية: تتضمن الإعداد القلبي والعقائدي، والعلمي، بالتمسك بالمنهج الإلهي، والاعتصام بحبل الله، واتباع كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- عمليًّا وواقعيًّا، وليس بالكلام ولا بالادعاءات، ولا بالشعارات، وبالتطبيق الصحيح كما فعل الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فالكل يدعي اتباع الكتاب والسُّنة؛ إذن فلنتبع الكتاب والسُّنة على طريقة الصحابة -رضي الله عنهم- الذين نصرهم الله، ومكَّن لهم في الأرض، وأي طريقة مخالفة لطريقة الصحابة لن تؤدي إلى شيء.

إن الصراع بيننا وبيْن الصهاينة، وبيننا وبيْن اليهود هو صراع ديني في المقام الأول، وليس سياسيًّا أو حضاريًّا، والبعض يحلو لهم أن يصوروا الصراع على أنه صراع سياسي، وهذا كذب، وخداع للنفس وللآخرين، وتمويه وتزييف للحقائق!

ولما رفعنا شعار: "الله أكبر" في حرب العاشر مِن رمضان انتصرنا، ولما رفعنا شعار: "دولة العلم والإيمان" انتصرنا، ولما رفعنا شعار: "عقيدتي سر انتصاري" انتصرنا؛ فإذا عدنا إلى الدين وتعززنا به، وجعلناه هو المحرِّك لنا، والدافع لنا، وأعلينا مصالحه؛ فسينصرنا الله.

أما شعار: "العروبة"، و"القدس عربية" وغير ذلك؛ فليس له قيمة، ولن يؤدي إلى شيءٍ، وبعض المسئولين حتى الآن يخاف مِن وصف الصراع بأنه صراع ديني إسلامي بيننا وبيْن اليهود؛ حتى لا يتهم بالتطرف والإرهاب، وحتى لا يصنف بأنه متدين! نعم، هذا هو حالنا للأسف الشديد!

فأقول لهؤلاء: استفيقوا هداكم الله، المرحلة القادمة هي صراع بيْن الإيمان والكفر، صراع بيْن الإسلام وغير الإسلام؛ فإما أن تخوضوا الصراع على هذا الأساس، وإما أن تنسحبوا وتفسحوا المجال لغيركم.

لقد تسبب الرئيس الأمريكي "ترامب" في صحوةٍ مفاجئة، ولكنها ليستْ مكتملة حتى الآن، ولعلها تكتمل قريبًا -إن شاء الله-؛ فإلى القائمين على الأمور في كل البلاد العربية والإسلامية، أقول: أفسحوا المجال للدين والمتدينين حتى تنصروا القضية الفلسطينية نصرًا حقيقيًّا صحيحًا، نافعًا مؤثرًا، يرضى الله -سبحانه وتعالى-.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أوجِّه كلمة شكر، وتحية إكبار واحترام وتقدير واعتزاز لفضيلة الشيخ "أحمد الطيب" شيخ الجامع الأزهر على موقفه المشرف والقوي والواضح، وموقف الأزهر عامة، ووكيل الأزهر الشيخ "عباس شومان"؛ فقد تم تخصيص الحصص الثلاثة الأول مِن يوم الأحد للحديث عن القدس في كافة المعاهد الأزهرية في كل المراحل التعليمية؛ بالإضافة إلى تخصيص فقرة يومية في طابور الصباح للحديث عن القدس يوميًّا.

وكذلك أحيي موقف شيخ الأزهر لما رفض مقابلة نائب الرئيس الأمريكي، وقال في سبب إلغاء هذا الاجتماع: "إن الأزهر لا يمكن أن يجلس مع مَن يزيفون التاريخ، ويسلبون حقوق الشعوب، ويعتدون على مقدساتهم، ويجب على الرئيس الأمريكي التراجع فورًا عن هذا القرار الباطل شرعًا وقانونًا".

وأشكره وأثمِّن كلماته القوية التي خاطب بها أهل القدس، ووجَّه لهم فيها نداءً عاجلًا قائلًا: "لتكن انتفاضتكم الثالثة بقدر إيمانكم بقضيتكم ومحبتكم لوطنكم، ونحن معكم ولن نخذلكم".

إن قضية القدس حساسة للغاية، وآلمتنا وأوجعتنا وأيقظتنا، ونبهتنا كشعوبٍ وأممٍ ودولٍ، وكشفتْ ما كان مستورًا ومخفيًّا مِن الرؤساء الأمريكان السابقين أن أمريكا ليستْ وسيطًا محايدًا، بل هي موالية لليهود وفي صفهم تمامًا.

وأتوقع مزيدًا مِن التصعيد والتعقيد في مسألة القدس هذه؛ أتوقع أن تتطور الأمور إلى ما هو أكثر سخونة والتهابًا، والمطلوب مِن الحكومات والأنظمة والهيئات والمؤسسات أن تكون على مستوى الحدث، وأن تتجرأ في اتخاذ القرارات المناسبة، ولا تخشَ أمريكا ولا غير أمريكا، ولا تنصر إلا دين الله -تعالى-، ولا تعمل إلا لمرضاة الله، ولا تجامل على حساب قضية دينية كقضية القدس.

وعلى العلماء والدعاة والمشايخ والمصلحين أن يلفتوا أنظار الناس إلى أهمية الدين في هذا الصراع، ويحذروهم مِن المعاصي التي هي السبب الأساسي والرئيسي للهزيمة والخسران، وأن يرشدوهم إلى طريق التوبة والاستقامة، وأن يبينوا لهم أهمية الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، والإقبال على الله -تعالى-؛ لأن أحوالنا مع الله تحتاج إلى إصلاحٍ وتعديل، وإذا كان الله معنا فلن تستطيع قوة في الأرض أن تغلبنا.

وإذا كان الله علينا فلن ننتصر أبدًا حتى نرجع إلى ديننا.

وأقول لإخواني وأصدقائي وأحبابي: تابعوا قضية القدس واهتموا بها، وعلموها لأبنائكم، وادرسوا تاريخها جيدًا، وكونوا منتبهين لأي مؤامرة تحاك للأمة الإسلامية ولا تنهزموا نفسيًّا أو معنويًّا، ولا تنشغلوا بسفاسف الأمور عن معاليها، وخصوا أهل القدس بالدعاء القوي المستمر، وعموا المسلمين بدعواتكم في كل الأوقات.