إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 24 ديسمبر 2017 - 6 ربيع الثاني 1439هـ

الاستخلاف والتمكين بيْن التهوين والتهويل

كتبه/ خالد آل رحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقضية التمكين لهذه الأمة أخذتْ حيزًا كبيرًا مِن تفكير أفرادها؛ سواء العلماء أو الدعاة أو العوام، وخصوصًا عندما تمر الأمة ببعض الأحداث الملمة؛ حينها تطفو هذه القضية (قضية التمكين) على السطح، ويتداولها الجميع ما بيْن مهوِّنٍ ومثبطٍ ومحبطٍ، وبيْن مهولٍ ومتساهلٍ، ظانًّا أن التمكين يكون بمنصبٍ أو مالٍ أو وجاهةٍ، وكلا الطرفين أخطأ خطأ جسيمًا في حق الأمة.

ولهذا لا بد مِن الحديث عن التمكين مِن وجهةٍ شرعية، وإن كنا لا نستطيع إيفاء الموضوع حقه حيث إنه يحتاج لمؤلفات، لكننا نعرِّج على بعض المعاني والمواضع التي ورد فيها لفظ التمكين، وقد ورد هذا اللفظ عدة مرات في القرآن عُني بها مرة يوسف -عليه السلام- لما قال الله -تعالى- له: (وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيوسُفَ فِي الأَرضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأويلِ الأَحاديثِ وَاللَّـهُ غالِبٌ عَلى أَمرِهِ وَلـكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمونَ) (يوسف:21).

وكان حينها عبدًا في قصر العزيز وسُجن بعد ذلك، وكان هذا التمكين جزئيًّا كما قال العلماء، ثم كان التمكين الكلي بقوله -تعالى-: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:56).

وكذلك ذو القرنين لما قال الله -تعالى-: (إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الأَرضِ وَآتَيناهُ مِن كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا) (الكهف:84)، ولإيمانه وعمله بما يؤمن كان دائمًا يتذكر أن التمكين مِن الله وحده، فقال لهم: (ما مَكَّنّي فيهِ رَبّي خَيرٌ فَأَعينوني بِقُوَّةٍ أَجعَل بَينَكُم وَبَينَهُم رَدمًا) (الكهف:95).

وكذلك بني إسرائيل في قوله -تعالى-: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:5-6)، فبعد الاستضعاف يأتي التمكين، ولكن بشروطه وضوابطه.

قال البقاعي -رحمه الله-: "أي نوقع لهم التمكين في الأرض، أي كلها، ولا سيما أرض مصر والشام بإهلاك أعدائهم وتأييدهم بكليم الله ثم الأنبياء مِن بعدهم بحيث سلطهم بسببهم على مَن سواهم بما يؤيدهم به مِن الملائكة، وتظهر لهم مِن الخوارق، ولما ذكر التمكين ذكر أنه مع مغالبة الجبابرة؛ إعلامًا بأنه أضخم تمكين" (انتهى).

ولذلك تجد أن مِن أهم أسباب انحطاط الأمم  وعدم تمكينها هو: التخلي عن مبادئها وعقائدها وثوابتها، والناظر في السنن يجد أن ما مِن أمة سقطتْ إلا بسبب تخليها عن تلك الثوابت والعقائد والمبادئ، وما مِن أمةٍ عاودت النهوض إلا بمعالجة تلك الأسباب، والعودة إلى الأصل.

قال أبو الحسن الندوي -رحمه الله-: "أمران لا يحدد لهما وقت بدقة: النوم في حياة الفرد، والانحطاط في حياة الأمة؛ فلا يشعر بهما إلا إذا غلبا واستويا" (انتهى).

وقد ذكر ابن خلدون في كتابه العِبَر وديوان المبتدأ والخبر: أن عبيد الله بن مروان فرَّ هاربًا إلى النوبة بعد زوال ملك بني أمية, فدخل عليه يومًا ملك النوبة فجلس على الأرض، فقال له عبيد الله: ما يمنعك أن تجلس على ثيابنا؟!

فقال: إني ملك! وحق لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذا رفعه الله، ثم قال: لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم؟

فقال: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم.

فقال: فلم تطئون الزرع بدوابكم، والفساد محرم عليكم؟!

قال: فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم.

قال: فلم تلبسون الديباج والذهب والحرير، وهو محرم عليكم في كتابكم؟!

قال: ذهب منا الملك وانتصرنا بقومٍ مِن العجم دخلوا في ديننا، فلبسوا ذلك على كُره منا!

فأطرق ينكث بيده في الأرض ويقول: "عبيدنا وأتباعنا، وأعاجم دخلوا في ديننا، ثم رفع رأسه إلي وقال: ليس كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرَّم الله عليكم، وأتيتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم؛ فسلبكم الله العز، وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله نقمة لم تبلغ غايتها فيكم، وأنا خائف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فينالني معكم، وإنما الضيافة ثلاث؛ فتزود ما احتجت إليه، وارتحل عن أرضي!" (انتهى).

ولذلك لما عبد بنو إسرائيل العجل ورفضوا دخول المدينة المقدسة أدخلهم الله -تعالى- في التيه حتى مات كل مَن عبد العجل، فقال العلماء: إن المدينة المقدسة لم يدخلها مع يوشع بن نون -عليه السلام- أحدٌ عبد العجل!

إن مرحلة التمكين تعني أن الله -تعالى- يمكِّن لدينه في الأرض عن طريق المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وأن هذا التمكين يسبقه الاستخلاف والملك والسلطان، ويعقبه أمن بعد خوف، كما أن الوصول إليه ممكنًا، ولكن بعد تحقيق شروطه مِن إيمانٍ وعملٍ صالح، وتحقيق عبودية ومحاربة الشرك وتقوى الله، كما أن لاستمراره شروطًا، منها: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي العالية عن أبي ابن كعب -رضي الله عنه- قال: لما قدِم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار ورمتهم العرب عن قوسٍ واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نكون آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟! فنزلت الآية: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55)" (قال الوادعي: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي).

وذكر ابن عاشور -رحمه الله-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مكث وأصحابه بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون بالسلاح ويمسون فيه حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تغبرون إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم الملأ العظيم محتبيًا ليس معه حديدة"، وقد كان -وسيكون بإذنه تعالى-.

قال الشوكاني -رحمه الله- تعليقًا على إلقاء إبراهيم في النار: "سبحان مَن يجعل المحن لمَن يدعو إلى دينه مِنَحًا، ويسوق إليهم الخير بما هو مِن صور الضَّيْر!"، وهكذا التمكين لا يأتي إلا بعد البلاء والصبر على الطاعة.

ولذلك عندما سُئل الشافعي -رحمه الله- عن المرء: يمكن أم يبتلى أولًا؟ فقال: "لا يمكن حتى يُبتلى!".

ولهذا أشارت الآية الكريمة لشروط التمكين، وهي: الإيمان الكامل بكل معانيه، وممارسة العمل الصالح بكل أنواعه، والحرص على الخير، وتحقيق العبودية الشاملة، ومحاربة الشرك بكافة أنواعه.

ثم ذكرت الآية لوازم التمكين، وهي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول، وهذا وعد الله، ووعده حق وواقع، ولن يخلف الله وعده؛ فالإيمان الذي يتحقق به الوعد هو الطاعة والاستسلام لأمره -تعالى- في الصغيرة والكبيرة، فلا يبقى معه هوى نفس ولا شهوة في القلب، ولا ميل عن الجادة والفطرة السليمة، ويدخل فيه توفير الأسباب والأخذ بها، وإعداد الجيل الذي سيحمل أمانة الاستخلاف؛ لأن الاستخلاف ليس مجرد الحكم والسلطان فقط، وإنما الاستخلاف يشمل إصلاح الأرض وتحقيق منهج الله -تعالى- فيها، والذي ارتضاه للبشر جميعًا، وهو المنهج الذي هو ضد الفساد، والقهر والاستعباد والظلم، وعدم تحقيق العبودية الكاملة لله -تعالى-، وقد وعد الله المؤمنين مِن عباده بقوله -تعالى-: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ).

قال الشنقيطي -رحمه الله-: "اللام موطئة لقسمٍ محذوف، أي: وعدهم وأقسم في وعده ليستخلفنهم".

وقال العثيمين -رحمه الله-: "أي: يجعلهم خلفاء لغيرهم، ويخلفون غيرهم في الأرض، وكلمة الأرض المراد بها الجنس؛ ليست أرضًا واحدة معينة، بل أرض عامة -كل الأرض-، وذلك لأن الأرض أرض الله -تعالى- يورثها مَن يشاء مِن عباده".

وقال -تعالى-: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128).

قال ابن عاشور -رحمه الله-: "ليستخلفنكم في الأرض، وهذا دليل على الاستخلاف في غالب الأرض".

وقوله -تعالى-: (مِنكُمْ).

قال البقاعي -رحمه الله-: "(مِنكُمْ): تصريحًا بأهل القرن الأول، ليكون ظاهرًا في إخراج المنافقين المتولين بالإعراض إشارة إلى أنهم لا يزالون في ذل وضعة، قال: ولما بشرهم بالتمكين أشار إلي مقداره في قوله: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) أي عظيمًا بمقدار الخوف" (انتهى).

قال ابن عاشور -رحمه الله-: "فمتى اهتم ولاة الأمور وعموم الأمة باتباع ما وضح لهم الشرع؛ تحقق وعد الله إياهم بهذا الوعد الجليل، ولهذا قال الله -تعالى-: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) تعبيرًا للعبادة بهذه الحالة؛ لأن المشركين قد يعبدون الله -تعالى-، ولكنهم يشركون معه غيره" (انتهى)، فالتمكين له أسباب وشروط وقواعد، ويريد رجالاً يقولون ويعملون ليكونوا مستحقين للتمكين، وحمل راية الأمة، والقيام على شئون الأرض جمعاء.

قال العثيمين -رحمه الله-: "فعبادة الله بدون إشراك، وأعلاها: التوحيد، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هذه أسباب النصر الحقيقية التي بها ينصر الله عباده" (انتهى بتصرف).

أسأل الله -تعالى- أن يمكِّن لدينه، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.