إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 23 ديسمبر 2017 - 5 ربيع الثاني 1439هـ

مِن الآثار الإسلامية في مدينة "القدس" القديمة

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتزخر مدينة "القدس" القديمة -في القدس الشرقية- بالآثار الإسلامية التي تشهد باهتمام المسلمين البالغ بهذه المدينة، وما قاموا به مِن البناء والتشييد والعمران.

ومما ينبغي الإشادة به هنا: أن المسلمين طوال القرون الطويلة التي حكموا فيها "القدس" لم يتعرضوا لما كان فيها مِن آثارٍ دينية للنصارى، بل كفلوا لنصارى القدس "وللنصارى الزائرين مِن خارجها" حرية العبادة والصلاة فيها -كما هو معروف-.

لذا فالقدس القديمة حافلة بالكنائس والمزارات التي كان يؤمها النصارى مِن كل الطوائف طوال فترة الحكم الإسلامي للمدينة، وإلى جوارها بنى المسلمون مساجدهم ودورهم وأبنيتهم الكثيرة.

ومما ينبغي أن نشير إليه أيضًا: أنه لا توجد أي آثار يهودية في مدينة القدس القديمة، وقد قام اليهود ومِن قبلهم ومعهم علماء مِن جامعات أوروبية وأمريكية، ومِن الجامعة العبْرية بحفر العديد مِن الحفريات، وبناء أنفاق حول وتحت أسوار المسجد الأقصى للتنقيب عن الآثار التاريخية لليهود في المدينة، ولكنها لم تسفر عن العثور على أي شيءٍ يُذكر؛ ويرجع ذلك عند الكثيرين إلى الفترة القصيرة التي كان لليهود مملكتهم في فلسطين في عهد داود وسليمان -عليهما السلام-، والتي استمرت نحو سبعين عامًا فقط، بينما عاش العرب في فلسطين أكثر مِن أربعة آلاف سنة، كما أنها تحت الحكم الإسلامي منذ أكثر مِن أربعة عشر قرنًا.

ومِن المسلَّم به أن المسلمين عند دخولهم القدس لم يكن بها أي معبدٍ أو هيكلٍ يهودي، بل كانت مدينة أهلها عرب مِن نسل كنعان يتكلمون اللغة العربية، ويدينون بالديانة النصرانية، ولهم كنائسهم ومعابدهم، ثم انتقل إليها المسلمون، وانتشر في أهلها الإسلام، ولو وجد المسلمون بها معابد لليهود لأبقوا عليها كما أبقوا على كنائس النصارى ومزاراتهم، وكما أبقوا على معابد اليهود في مدن ومناطق أخرى فتحها المسلمون؛ إذ إن اليهود عند المسلمين أهل كتاب كالنصارى، يعاملونهم بنفس معاملتهم للنصارى؛ لذا فإن المسلمين أعطوا اليهود حرية الزيارة للمدينة، بل وإقامة ما يريدون مِن شعائر وصلوات عند ما يسمونه (حائط المبكى!)، والذي يعتقد اليهود أنه الجزء المتبقي مِن هيكل سليمان -عليه السلام- في زعمهم! وهو ما لم يثبت تاريخيًّا؛ إذ أن الحائط يمثـِّل السور الغربي للمسجد الأقصى (حائط البراق)، ويُعد مِن الأوقاف الإسلامية، وهو ما استقر عليه الأمر عليه بعد الاعتراف الدولي بذلك عقب أحداث ثورة البراق عام 1929م.

ومِن الآثار الإسلامية في مدينة القدس القديمة:

- المسجد الأقصى:

 الذي بناه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما تسلم المدينة مِن أهلها عام 16 هجريًّا، حيث قام بتنظيف ساحة الأقصى وصخرته، ثم بنى مسجدًا صغيرًا عند مسرى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعراجه؛ إذ لم يكن هناك مسجد منذ أن هدم الرومان قديمًا ما كان فيه مِن البناء، بل ومنع الرومان اليهود مِن دخول المدينة لفتراتٍ طويلة.

وترجع أهمية المسجد الأقصى عند المسلمين لأمور، منها: أنه مسرى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفيه أمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنبياء لما صلى معهم فيه، ثم منه عرج إلى السماء، وذلك في ليلة الإسراء والمعراج، وإليه صلى المسلمون نحو سبعة عشرة شهرًا إذ كان هو قبلتهم الأولى قبْل أن يؤمروا بالتوجه إلى المسجد الحرام بمكة.

وقد بشَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بفتح المسجد الأقصى قبْل موته؛ فوقع الفتح في عهد عمر -رضي الله عنه- كما قال، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن أجر الصلاة في المسجد الأقصى أعظم مِن أجر الصلاة في غيره مِن المساجد إلا المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وأن المسجد الأقصى مع المسجد الحرام والمسجد النبوي مما يجوز السفر وشد الرحال له دون غيره مِن المساجد.

وقد ظلَّ المسجد لقرونٍ طويلة مركزًا هامًّا لتدريس العلوم والمعارف الإسلامية، ومركزًا للاحتفالات الدينية الكبرى، ومكانًا لإعلان المراسيم السلطانية، ومزارًا للمصلين والمعتكفين والمتعبدين مِن المسلمين، يشدون إليه الرحال مِن شتى بقاع الأرض.

وقد كان أول بناء للمسجد الأقصى مِن يعقوب -عليه السلام-، وأتمه سليمان -عليه السلام-؛ فكان يؤمه الموحدين مِن بني إسرائيل، فلما بدَّل اليهود في دينهم، ووقعوا في الشرك والكفر؛ عوقبوا بهدمه إذ سلـَّط الله عليهم مَن قضى على دولتهم وشتتهم، حتى دخله المسلمون الموحدون في عهد عمر -رضي الله عنه-؛ فأعادوا بنائه والصلاة فيه قرونًا طويلة -ولله الحمد والمنة-.

ومعلوم أن قبلة المسجد الأقصى بأسواره المستطيلة -قبْل وبعد ما بناه عمر- هي إلى الكعبة، وهذا يخالف تمامًا ما يؤكده اليهود مِن أن قبلة هيكلهم المزعوم -والذي يزعمون أن مكانه هو المكان الحالي للمسجد الأقصى- هي جهة الشرق!

وقد أعيد بناء المسجد العمري عدة مرات في أعقاب زلازل تعرض لها على مدى القرون الماضية بدءًا مِن الزلزال الذي وقع في أواخر حكم الأمويين عام 130 هجريًّا، ومرورًا بالزلزال الذي وقع في عهد الفاطميين عام 425 هجريًّا.

- مسجد "قبة الصخرة":

وهو المسجد الذي بناه عبد الملك بن مروان عام 72م هجريًّا - 691م على الصخرة الموجودة داخل ساحة المسجد الأقصى، والتي يعتقد أن مِن عندها كان معراج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء في ليلة المعراج، وتُعد قبة الصخرة مِن روائع الآثار الإسلامية، وقد رصد عبد الملك لبنائه خراج مصر لسبع سنين، وجعله يضاهي في روعته كنائس النصارى خاصة كنيسة القيامة.

وقد أصاب المسجد ما أصابه بسبب الزلازل والعواصف والأمطار؛ لذا قام العديد مِن الحكام المسلمين بترميمه وإعادة عمارته وتجديده، وفي العصر الحديث قام المجلس الإسلامي الأعلى الفلسطيني بترميمه ترميمًا مؤقتًا عام 1938م، لكنه يحتاج إلى ترميمٍ شاملٍ لجميع أنحائه.

والمسجد يقع في وسط فناءٍ واسعٍ مرتفع عن ساحة أرض المسجد الأقصى، وقبته مستديرة بارتفاع 105 قدم عن الأرض، وهي مِن طبقتين: فوقانية مكسوة بصفائح الرصاص، وتحتانية مزخرفة بفصوصٍ ذهبيةٍ لا نظير لها، ولكنها تأثرت بفعل الزمان، ففقد بعضها، وأعيد طلاء بعضها بطلاءٍ مِن الجص تكسوه الأصباغ، وباقي الفصوص في حاجة إلى تثبيت.

وتقع الصخرة تحت القبة بارتفاع أقل مِن مترين، وتحتها (مغارة الأنبياء) ينزل إليها بإحدى عشرة درجة، وللقبة اثنا عشر عمودًا مِن الرخام وأربع أساطين (سواري)، وحول الصخرة بناء فخم مثمن الأركان، وسقف المسجد مزخرف بأنواعٍ مِن الدهان، وجدران المسجد مِن الداخل مكسوة بالرخام، وللمسجد أربعة أبواب، والفناء الذي يقوم عليه المسجد واسع ومربع الشكل، وهو مفروش بالبلاط الأبيض مِن أيام الملك المنصور قلاوون، ونظرًا لكون مسجد الصخرة مِن أجمل المباني الأثرية فإن صوره الأكثر انتشارًا وتداولًا صارتْ ترمز إلى القدس أكثر مِن المسجد الأقصى، ولم يعد كثيرٌ مِن الناس يميزون بيْن المسجدين.

حائط "البراق":

وهو الحائط الذي يحيط بالمسجد الأقصى مِن الناحية الغربية، ويعتبر جزءًا لا يتجزأ مِن المسجد الأقصى، والذي يُعتقد أن عنده ربط النبي -صلى الله عليه دابته "البراق"؛ وسيلته في انتقالاته في ليلة الإسراء والمعراج؛ لذا سمِّي بهذا الاسم.

المصلى المرواني:

يقع في الجهة الجنوبية الشرقية مِن المسجد الأقصى، ويتكون مِن ستة عشر رواقًا، وخصص زمن عبد الملك بن مروان كمدرسةٍ فقهية، ومِن هنا اكتسب اسمه، وسقفه الحالي يعود إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، أما الأعمدة والأقواس فهي مِن عهد عبد الملك، وقد أعيد افتتاحه للجمهور بعد عمليات ترميم عام 1996م.

منشآت بالمسجد الأقصى:

يبلغ طول المسجد مِن الداخل 80 مترًا، وعرضه 55 مترًا، ويضم المسجد سبعة أروقة: رواق أوسط، وثلاثة أروقة مِن جهة الشرق، وثلاثة أروقة مِن جهة الغرب، ترتفع على 53 عمودًا مِن الرخام، و49 سارية مِن الحجارة، وفي صدر المسجد قبة، وللمسجد أحد عشر بابًا، وفي ساحته خمسة وعشرون بئرًا للماء العذب، ثمانية منها في صحن الصخرة، وسبعة عشر في فناء الأقصى، وفيها مِن الماء ما يكفي لسكان المدينة القديمة كلهم.

وتوجد أسبلة لشرب المياه كثيرة، أهمها: سبيل قايتباي المسقف بقبة حجرية جميلة تلفت نظر الزوار، و سبيل البديري، وسبيل قاسم باشا، وهناك حوض كبير يعرف بـ(الكأس) يقع بيْن مسجدي الأقصى والصخرة، بناه الأمير تنكز الناصري عام 1327م، وهو حوض مدور مبني مِن الرخام، يجري إليه الماء مِن قناة تبدأ مِن برك سليمان على بعد عشرة أميال مِن القدس إلى الجنوب، والحوض يقصده المصلون للوضوء خاصة يوم الجمعة.

وللمسجد أربع مآذن: (مئذنة باب المغاربة) في الزاوية الغربية الجنوبية، و(مئذنة باب السلسلة) غربي المسجد، ومئذنة (باب الغوانمة) في الزاوية الغربية الشمالية، ومئذنة (باب الأسباط) في الناحية الشمالية الشرقية.

وتوجد العديد مِن القباب، أشهرها: قبة "السلسلة"، وقبة "المعراج"، كما توجد العديد مِن المساطب التي كانت مخصصة لأهل العلم والمتصوفة والغرباء، وتوجد العديد مِن الأروقة، كما يوجد مزولتان شمسيتان لمعرفة الوقت، وتحت بناء المسجد دهليز واسع وطويل، يتكون مِن سلسلة عقودٍ ترتكز على أعمدةٍ ضخمة تسمَّى بالأقصى القديمة.

وقد شهد المسجد الأقصى الكثير مِن عمليات الترميم والتجديد مِن السلاطين المسلمين عبْر التاريخ، وفي العصر الحديث قام المجلس الإسلامي الأعلى الفلسطيني بجمع تبرعاتٍ مِن الأقطار الإسلامية وترميم بعض مما طرأ على المسجد مع تقادم الزمن في عام 1927م، ومرة أخرى في عام 1943م.

وقد تسبب الحريق الذي اندلع في المسجد بفعل أحد اليهود المتعصبين في "21- 8-1969م" في احتراق منبر نور الدين محمود بن زنكي الخشبي الجميل الذي وضعه فيه صلاح الدين الأيوبي بعد استرداده للقدس، كما تسبب في اشتعال النيران في سطح المسجد الجنوبي وسقف ثلاثة أروقة.

الأوقاف الإسلامية:

وتضم عقارات موقوفة على المسجد الأقصى، منها: دار الأيتام الإسلامية، وتكية خاصكي سلطان، بالإضافة إلى خان سلطان، كما تضم عددًا مِن الحمامات والدكاكين.

- وذكر المؤرخ "عارف باشا العارف" في كتابه: (تاريخ القدس) أن قبْل قيام دولة إسرائيل -أي قبل عام 1948م- كان في القدس القديمة -في القدس الشرقية حاليًا- 36 جامعًا غير المسجد الأقصى ومسجد الصخرة، منها 29 جامعًا داخل سور المدينة العتيقة، ستة جوامع منها داخل حرم المسجد الأقصى، والثلاثة والعشرون جامعًا الأخرى خارج سور المسجد الأقصى وداخل المدينة العتيقة، وسبعة جوامع خارج سور المدينة العتيقة في القدس القديمة.

- كما ذكرَ أن بالقدس العديد مِن الزوايا التي أعدت لاجتماع الغرباء مِن المسلمين، وللصوفية الذين ينزلون بالقدس للزيارة، ولإطعام الفقراء داخل سور المدينة العتيقة وخارجها.

- كما ذكرَ أن بالقدس مقابر إسلامية، وتربًا كثيرة، منها ما اندثر مع الزمن وكان مستعملًا فيما مضى، ومنها ما زال مستعملًا.

ومِن أقدمها: (مقبرة باب الرحمة) عند سور الحرم مِن الشرق، وفيها قبور عددٍ مِن الصحابة الذين اشتركوا في الفتح العمري، وعددٍ مِن المجاهدين في الفتح الصلاحي، وقد ذكر الهولندي الشهير (ماكس فان برشام) أنها كانت مدفنًا للإخشيديين، و(مقبرة باب الساهرة) عند سور المدينة القديمة مِن الشمال قرب "باب الساهرة" ذكرها النابلسي في رحلته، والحنبلي في تاريخه، وقيل: إن صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- دفن فيها المجاهدين الذين لاقوا حتفهم عند فتح المدينة واستردادها مِن الصليبيين.

ومِن المقابر المشهورة هناك: (مقبرة ماملا) أو (مقبرة مأمن الله)، والتي كانت مِن أكبر المقابر الإسلامية وأقدمها في القدس القديمة، والتي صدر حظر دفن الأموات فيها في عام 1927م لما اتسع العمران، وأصبحتْ في وسط العمران.

الحفريات الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى:

دأبتْ جماعة أمناء الهيكل الإسرائيلية خاصة بعد احتلال القدس الشرقية بعد حرب يونيو 1976م على الحفر والتنقيب تحت وحول أسوار المسجد الأقصى وتحت البيوت والمدارس والمساجد العربية بحجة البحث عن بقايا هيكل سليمان المزعوم!

وقد حفرت نفقًا عميقًا وطويلًا تحت المسجد الأقصى، وأنشأت بداخله كنيسًا يهوديًّا، وقد لقيتْ هذه الحفريات استنكارًا دوليًّا، وعلى نطاق واسع، ومع ذلك فما زالت إسرائيل تواصل عبثها وحفرياتها، والتي تعد جزءًا مِن مخططها لتهويد القدس القديمة بتخريب وإزالة المظاهر الإسلامية فيها، وإجبار المقدسيين على ترك القدس مِن جهة، وزيادة تواجد اليهود والمستوطنات اليهودية فيها، وإقامة المعابد والكنائس، والمدارس الدينية اليهودية فيها بكثافةٍ مِن جهة أخرى؛ لصبغها بالصبغة اليهودية ومحو هويتها الإسلامية، وفرض هذا الأمر على أرض الواقع؛ خاصة وأنها لا تجد الرادع الذي يمنعها مِن تحقيق أطماعها الاستعمارية العنصرية في المنطقة، ولا تكترث بما يصدر مِن إداناتٍ واستنكاراتٍ مِن كافة المنظمات والمحافل الدولية التي تعتني بمواجهة مثل تلك الأعمال المخالفة للمواثيق والقوانين الدولية برعاية وحماية مِن أمريكا وحلفائها الغربيين.

إذابة القدس القديمة في القدس الموحدة:

مع التوافد الجماعي لليهود إلى فلسطين خلال الانتداب البريطاني تم إنشاء القدس الغربية واستوطنها اليهود، وبعد استيلاء اليهود على القدس الشرقية في عام 1967م أعلن اليهود ضم القدس الغربية إلى القدس الشرقية باسم القدس الموحدة، لقطع الطريق على مَن ينادي بجعل القدس الشرقية "وفيها بيت المقدس" عاصمة للدولة الفلسطينية، في مقابل اتخاذ القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، مع التأثير على التوزيع السكاني بضم القدس الغربية للقدس الشرقية، ثم تم الإعلان في "الكنيست الإسرائيلي" أوائل الثمانينيات عن جعل القدس الموحدة عاصمة أبدية لدولة إسرائيل!