إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 20 ديسمبر 2017 - 2 ربيع الثاني 1439هـ

وغدًا ينطق الحَجَر!

كتبه/ مصطفى دياب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالقلب يعتصر أسفًا وحزنًا على ما أصاب المسلمين مِن ضعفٍ وذلٍّ وهوانٍ، وما أصبح فيه الكافرون مِن علوٍّ و تكبرٍ و تغطرسٍ، واستخفاف بالملايين المؤمنة!

ومما لا شك فيه أن قرار "ترامب" بإعلان القدس عاصمة الدولة اللقيطة -الكيان الصهيوني- يعكس الرؤية الحقيقية التي يراها هؤلاء القوم مِن ضعفٍ وتفككٍ وتشتتٍ، وذُلٍّ وهوان للأمة الإسلامية؛ لذلك كان القرار في الوقت المناسِب، ولكن الذي لا يعلمه هؤلاء الأعداء أن هذه الأمة تمرض بأشد أنواع المرض، ولكنها أبدًا لا تموت!

وهذا وعدُ الله -عز وجل- لهذه الأمة بالنصر، قال الله -تعالى-: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51)، وقال -تعالى-: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة:21).

بل ووعدها الله بالتمكين، فقال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55).

وأرشد الله هذه الأمة إلى سبيل النجاة والنجاح والنصر المبين: فقال الله -تعالى-: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور:56)؛ إنه التمسك بالمنهج القويم "بالقرآن وبالسُّنة بفهم سلف الأمة"، وقال كذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153).

وأكَّد الله -عز وجل- نصرهُ لعباده المؤمنين فقال: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم:47)، ولكن أين نحنُ مِن هذه الآيات؟!

هل نحن الجيل الذي يستحق هذا النصر والتمكين؟!

لقد تغيرنا كثيرًا... لقد غيرتنا الدنيا، وصدق الفاروق وهو يقول لأبي عبيدة -رضي الله عنه- بعد استلامه مفاتيح بيت المقدس: "كلهم غيرتهم الدنيا؛ إلا أنتَ يا أبا عبيدة!"، لقد بَعُدنا كثيرًا عن مصدر الهدى والنور والحياة "كتاب الله": (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) (الأنعام:122).

والله -عز وجل- حاشاه أن يظلمنا، فلما بدلنا نعمة الله علينا واستجلبنا نقمته بإهمال العمل بأحكام الدين، وغيرنا ما بأنفسنا بالذنوب والمعاصي وضعف الشكر، وإهمال الطاعات كان تبديل النعمة جزاءً وفاقًا (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال:53).

هذا وقد أخبر الحبيب -صلى الله عليه وسلم- عن "الداء والدواء"، فقال: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

إنه الحل الذي لا حل سواه؛ الرجوع إلى الدين، والعمل بأحكامه "كتابًا وسنة على فهم سلف الأمة"؛ فكل خيرٍ في اتباع مَن سلف، وكل شرٍّ في ابتداع مَن خلف، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

يا شباب المسلمين... بِكُم عُلقت الآمال، فالخيرُ فيكم أبناء الإسلام.

يا شباب المسلمين... ميدانكم الأول أنفسكم؛ عودوا عودًا حميدًا.

الإخوة الكرام... ما أحوجنا إلى أن نخلو بأنفسنا ونراجعها! فأين نحنُ مِن صلاة الفجر وصلاة الوتر، وقراءة القرآن، والدعاء، وصيام الأيام، وقيام الليالي، والصدقة، والذكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل لخدمة دين الله.

لقد شغلتنا الدنيا كما شغلتنا مواقع التواصل!

أخي الحبيب... إذا أردت أن تعرف مقامك عند المَلِك؛ فانظُر بأي شيءٍ يُشغلك، وفي أي شيءٍ يستخدمك.

يا شباب الأمة... كُفوا عن رسائل الإحباط والسخرية بجهود غيركم، وانهضوا لعملٍ صالحٍ نافع، "ارمِ، فإن لم تكن راميًا؛ فاجمع لمَن يرمي"، غيروا أنفسكم وابذلوا ما في وسعكم في جميع الميادين المتاحة.

يا شباب المسلمين... إن دعاءكم يسمعه ربكم؛ فادعوا وصلوا، وصوموا، وقوموا، وأصلحوا أنفسكم، وافعلوا الخير، وكفوا عن فعل الشر والحرام، اكتبوا على الفيس وغيره واجعلوا أقلامكم لله؛ فلا تكتب غير شيءٍ يسُرك يوم القيامة أن تراه، وساهموا في إعداد جيل جديد يتربى على الدين وعلى العزة والكرامة وعداوته للصهاينة، ويُدرك منذُ اللحظة الأولى أن القُدس إسلامية وستظل إسلامية، وتأكدوا مِن نصر الله لكم إذا عُدتُم إلى دينكم (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد:7)، وتذكروا أن صلاح الدين لم يُغير حال القدس مِن قبضة الصليبيين حتى غيّر قلوب الناس من العقيدة الباطنية الرافضة إلى عقيدة أهل السنه ثم كان الطريق إلى بيت المقدس.

إخوة الإسلام... إن التغير قرارٌ حتمي وإن صفعة "ترامب" للأمة الإسلامية لعلها توقظها مِن رقدتها وتُعدل إلى الخير مسيرتها: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (النور:11)، فابحثوا عن الخير تجدوه، ولا بد لهذا الليل مِن آخر، وغدًا ينطقُ الحجر!

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) (رواه مسلم).

وصلِّ اللهم على محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.