إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 17 ديسمبر 2017 - 29 ربيع الأول 1439هـ

إرضاء الناس غاية لا تدرك!

كتبه/ نصر رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن خير ما أُلقي في قلب العبد، يقين بالله راسخ في القلوب، وإيمان صادق بكفاية الله لعبده، يدفعه إلى إيثار مرضاته على إرضاء خلقه، وتقديم طاعته على طاعة عبيده, وتلك هي مرتبة العارفين بالله، الذين امتلأت قلوبهم بنور الله ومعرفته؛ فالتمسوا رضوانه، وتخلصوا مِن مجالب سخطه.

وعلى النقيض مِن ذلك: مَن ضعف يقينهم بالله، فأرضوا الناس بسخط الله، وجاملوهم في معاصي الله، وتعلقوا بهم عن الله؛ رغبة فيما عندهم، أو خوفًا مِن سخطهم، فوكلهم الله إليهم فلم يغنوا عنهم مِن الله شيئًا, قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ، سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ , وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني).  

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا مِن الله لا منهم، كما جاء في الأثر: "ارج الله في الناس، ولا ترج الناس في الله، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله", أي: لا تفعل شيئًا لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفًا مِن ذمهم، بل افعل ما أُمرت به وإن كرهوه, وفي الحديث: "إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله، أو تَذُمَّهُمْ على ما لم يؤتك الله".

فإن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنًا لا بوعده ولا برزقه؛ فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك: إما ميل إلى ما في أيديهم مِن الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله؛ لما يرجوه منهم, وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته مِن النصر والتأييد، والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك، ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفًا منهم ورجاءً لهم؛ وذلك مِن ضعف اليقين، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

فإن مَن أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، وهو كاف عبده: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق:2-3), فالله يكفيه مُؤْنَةَ الناس بلا رَيْب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه، فقد لا يحصل ذلك، ومَن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه مِن الله شيئًا، كالظالم الذي يعض على يده يقول: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) (الفرقان:27-28)" (انتهى).

ومَن فـي الناس يُرضِي كـلَ نـفـس                  وبيْن هــوى الـنفـوس مـدى بـعيـد

فالسعيد الرابح مَن أرضى الله بسخط الناس، ولم يرضهم بسخط الله، وأمات خوفهم ورجاءهم وحبهم مِن قلبه، وأحيا حب الله وخوفه ورجاءه فيه؛ فالخلق كلهم لا يقدِر أحدٌ منهم أن يدفع عنك مضرة ألبتة، ولا يجلب لك منفعة ألبتة؛ إلا بإذن الله ومشيئته، وقضائه وقدره، فهو -سبحانه- هو الذي يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك مِن فضله لا لمعاوضة ولا لمنفعة يرجوها منك، ولا ليتكثر بك، ولا يتعزز بك, وهو -سبحانه- يحب الجود والعطاء والإحسان، أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته.

فالمؤمن قد استراح مِن هذا كله, وحصر الغايات في غايةٍ واحدةٍ "وهي رضوان ربه", شعاره في ذلك:

فـلـيتـك تحـلـو والحياة مريرة                        وليتك ترضى والأنام غـضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر                         وبيني وبين العـالمين خـراب

إذا صح منك الود فالكل هـين                        وكل الذي فوق التراب تـراب