إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 10 ديسمبر 2017 - 22 ربيع الأول 1439هـ

استراحة... !

كتبه/ عصام محمود زهران

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإذا كان الإنسان على سفرٍ وأراد أن يأخذ قسطًا مِن الراحة فلا يعقل أبدًا أن يُزيّن المكان الذي نزل فيه بالورود والرياحين، وأن يفكر في إعمار هذا المكان ويترك أهله وبيته الأصلي! لأنه (REST).

ولأن الركون إلى الدنيا يسبب الغفلة وشتات الفكر، وغياب الرؤية والهدف: قال الله لنبيه محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه:131)،

وهذا مثل ضربه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الدنيا وسرعة رحيلها، وقلة المكث فيها، فقال: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

وقال: (إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ من السَّمَاء مَلَائِكَة بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ... ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

تأمل كلمة (انْقِطَاعٍ): أي لا يتعلق قلبه بها مع أنه يأخذ بأسباب النجاح فيها، ولكنه في الحقيقة ينظر إلى الآخرة (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ . حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر:1-2)، فاستمرت غفلتكم ولهوتكم وتشاغلكم (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) فانكشف لكم حينئذٍ الغطاء، ولكن بعد ما تعذر عليكم استئنافه، ودل قوله: (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) أن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين؛ لأن الإقامة في الآخرة.

فالدنيا ليست الحقيقة، بل هي صورة؛ فمَن أدمن النظر إلى الصورة ظن أنها الحقيقة!

فالصلاة التي يصليها البعض الآن (صورة)؛ لأنها عارية عن الخشوع، والله -سبحانه- يقول: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت:45).

الصلاة الحقيقية تنهى عن المنكر، والصلاة الصورية لا تؤثر؛ لأنها ليستْ أصلًا، فالانشغال بالصورة عن الحقيقة، وبالأصل عن الفرع؛ له أثر ضار في إيمان العبد.

فأغمِضْ عن الدُّنيا عينَكَ، وولِّ عنها قَلبَكَ، وإيَّاكَ أن تُهلككَ كمَا أهلكَت مَن كان قَبلكَ، فقد رأيتُ مصَارعَها، وعاينتُ سوءَ آثارِهَا على أهلها، وكيف عَريَ مَن كَسَت، وجَاعَ مَن أطعمت، ومات مَن أحيت!