إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 30 نوفمبر 2017 - 12 ربيع الأول 1439هـ

معرفة الشر ودرجاته مِن لوازم فقه المصلحين

كتبه/ أسامة شحادة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الإصلاح لا يكون إلا عقب الفساد والشر، ولذلك فإن معرفة الشر ودرجاته مِن اللوازم الضرورية للمصلحين؛ لأن إتقان معرفة الشر ودرجاته هو مِن أسباب نجاح الإصلاح، واضطراب ذلك هو سبب مهم لكثيرٍ مِن فشل محاولات الإصلاح برغم تقديم المصلحين جهودًا ضخمة، وسنوات طويلة في مسار الإصلاح، لكن النتيجة قد تكون ضعيفة أو منعدمة، بل في حالات كثيرة كان اضطراب تقدير حقيقة الشر ودرجاته سببًا في كوارث كثيرة!

والشر والفساد لا يمكن معالجتهما دفعة واحدة مهما كان المصلح مخلصًا وقويًّا، هذه سنة الله -عز وجل- في الأمم؛ ولذلك مكث الرسل والأنبياء السنوات الطوال في الإصلاح، ومِن هنا فإن "تشخيص الشر = المشكلة"، وتحديد درجاته وعلاج أسسه قبْل أعراضه، وعلاجه بطريقة تخفف منه وتقضي عليه مع الزمن، لا علاجه بطريقة توسّعه وتضخمه؛ هذا هو لبّ منهج الأنبياء في الإصلاح.

علاج الشر يشبه عمل رجال الإطفاء، فإنه يلزم تحديد نوع الحريق وسببه، وتحديد درجات سوء تطوره في مختلف الاتجاهات؛ ومِن ثَمَّ العمل على حصر النار كي لا تمتد والعمل على منع تفاقمها، وعلاج مصدر النار ومحاولة إيقافه، وتعطي الأولوية في ذلك للمناطق الأكثر خطورة إما بقربها مِن الناس أو قربها مِن مصادر شديدة الاشتعال، وهكذا.

ونحن اليوم في زمنٍ فيه شرور ومفاسد كثيرة تحتاج إلى إصلاح، وهي تختلف مِن بلدٍ وبيئة إلى أخرى، والمصلح الموفق هو مَن يمكنه تحديد الشر ودرجاته في بيئته، ويقوم إصلاحُه على رؤية واعية بذلك.

فالشر المحصور في مكانٍ ليس كالشر العام الذي يستهدف بلدًا أو أكثر، والشر الذي يستهدف دنيا الناس ليس كالشر الذي يستهدف دينهم، والشر الذي يبقى على حاله كمعصيةٍ مِن المعاصي ليس كالشر الذي يتمدد وقد يصل بصاحبه إلى الكفر والإلحاد، والشر الذي يأتي صريحًا واضحًا ليس كالشر الذي يتغطى بالدين والفضائل مما يلبس على الناس الحق، وهكذا فالشر درجات ومؤشرات ينبغي للمصلح الموفق أن يتعرف عليها ويحسن التعامل معها.

والنظر في العواقب والمآلات مِن موازين التعامل مع الشرور، فمنع شر صغير اليوم "قد يأتي بشرٍّ كبيرٍ في الغد" ليس مِن الحكمة في شيء، والتغاضي عن شر صغير اليوم "قد يتضاعف في المستقبل" نوع مِن التفريط لا يَحسُن بالمصلح فعله.

ومَن جعل كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- هما المعيار الذي يزن به الأشياء والشرور؛ سيدرك أن خطورة البدعة أكبر مِن خطورة المعصية، وسيفهم أن تفريط الحركات والدول الإسلامية في معالجة بدعة التشيع والخوارج؛ كلّفت أمتنا اليوم مئات الآلاف مِن الأرواح واجتياح البلاد، كما أن تحكيم الكتاب والسُّنة في وزن الشرور؛ سيكشف لنا عن المصائب التي لحقتْ بنا جراء التساهل في المعاصي والفسق والفجور، وأن علاج مشاكلنا بالقروض الربوية، وإشاعة الفواحش؛ لم يزدها إلا اتساعًا!

ولنا في "المعتمد بن عباد" عِبْرة حين حذّروه مِن زوال ملكه في الأندلس على يد "يوسف بن تاشفين" الذي استعان به على قتال "ألفونسو السادس"؛ فلما وازن بيْن الشرّين في زوال ملكه أطلق كلمته الحكيمة: "رعي الجمال خيرٌ مِن رعي الخنازير!".

وللأسف أن الكثير اليوم يَرضى برعي الخنازير بدلًا مِن الجمال!