إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 29 نوفمبر 2017 - 11 ربيع الأول 1439هـ

التدهور الإيماني!

كتبه/ سعيد الروبي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتشهد الساحة الدعوية والعلمية والعبادية الإسلامية تدهورًا حادًّا وخطيرًا في الحالة الإيمانية!

فمنسوب الإيمان يقل، وقوة الإيمان تضعف، والتمسك بالدين وأحكامه يتراخى!

المستوى العلمي والعملي والتربوي يقل بمعدلٍ سريع، مخيف مقلق، وهذا التدهور الحاد السريع بدأ قبْل سنواتٍ مما يسمَّى بـ"ثورات الربيع العربي"؛ فالقراءة في كتب العلم قلَّتْ، وحضور الدروس الدينية قلَّ، والإقبال على المساجد قلَّ، الحرص على السنن النبوية قلَّ!

كل ذلك -وأكثر منه- حدث بعد أن كانت الصحوة مكتسحة للساحة العامة في معظم البلدان.

وفي أيام الصحوة "أو قُل سنوات الصحوة" كانت القلوب مقبلة على الدين والتدين، والحالة الإيمانية كانت في زيادة وارتفاع، وأحوال القلوب والنفوس كانت منتعشة، ولا يخلو بيت مِن أخٍ أو أختٍ مستمسكين بالدين، ناشرين للسُّنة، واستمرتْ هذه الأوضاع الطيبة لسنواتٍ عديدةٍ، وتأثرتْ بها كل طبقات المجتمع، تاب في هذه الصحوة العديد مِن المشاهير المعروفين.

ثم حدثت الانتكاسة... وحدث الملل والفتور والتراجع قبْل ثورات الربيع العربي بسنواتٍ لأسبابٍ عديدةٍ.

وإلى يومنا هذا ما زلنا نعيش في التدهور الإيماني الحاد، وكان المتوقع والمنتظر في ظل المصائب التي صاحبت الربيع العربي أن يعود الناس إلى التدين والإيمان والتوبة, وأن يرجعوا إلى الله بحسن العمل، ولكن -للأسف- هذا لم يحدث، بل إن التدهور الإيماني قد زاد!

والآن، وفي ظل المتغيرات السريعة الكثيرة والخطيرة في عالمنا العربي والإسلامي -بل في العالم أجمع-، يجب علينا أن نعود إلى الله -تعالى- عودًا جميلًا، قويًّا وسريعًا؛ فهذا هو المخرج مما نحن فيه، وهذا هو سبيل النجاة، ومفتاح الفوز والسلامة والعافية.

عودة إلى الله -تعالى- وإلى كتابه، وسُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

عودة إلى الإيمان الصادق القوي.

عودة إلى العمل الصالح.

عودة إلى التقوى والتقرب إلى الله.

عودة إلى العلم النافع، والإقبال على الدار الآخرة.

عودة إلى نصرة الدين وقضايا المسلمين.

عودة إلى حرارة الالتزام وحلاوة الإيمان.

عودة إلى سنوات الصحوة الجميلة.

على الأقل على المستوى الشخصي والأُسري والعائلي؛ بترتيب الأوضاع في داخل كل بيت، والاهتمام بالأولاد، ومراجعة القرآن، وقراءة نفس الكتب التي قرأناها في بداية استقامتنا، وتوبتنا والتزامنا؛ هذا هو القدر المتاح والمطلوب والممكن في ظل التشديد والتضييق على العمل الإسلامي العام.

وليتنا نركِّز على قصص القرآن خصوصًا، وتفسير القرآن عمومًا، ومواقف الصحابة الكرام، نتعمق مع قصص القرآن، ونتزود ونتحصل على البصيرة المطلوبة، ونرجع إلى التفاسير القديمة، وكتب العلماء الثقات، ولا نقطع صلتنا بالمشايخ والدعاة، ولا ببقية إخواننا.

لا بد مِن درجةٍ ما مِن التواصل والارتباط رغم كل التضييقات والتشديدات؛ هذا دورنا في المرحلة القادمة، وهذه مهمتنا في الفترة المقبلة، لا ننشغل بالأحداث عما هو مطلوب منا، ولا نغفل ولا ننسَ، ولا نسهو ولا نتشتت، ولا نحتار، فالمتوقع أن تزداد الأحداث سخونة واشتعالًا والتهابًا، بل وإحراقًا، ويقابلها ويناسبها أن نزداد على الله إقبالًا، وبديننا استمساكًا.

لا بد أن نهرب إلى الله، وأن نفر إلى الله، وأن تقربنا الأحداث مِن الله -تعالى-، وليس العكس!

نحن نعيش الآن -للأسف- في جوٍّ تشتت فيه العقول والقلوب والصدور، والأحداث تشغل الناس أكثر وأكثر، وتلهيهم وتنسيهم ذكر الله، وهذا أمر خطير!

ومرة أخرى أقول: في ظل التدهور الإيماني الحالي، يجب علينا أن نعود إلى البيت والأسرة، والزوجات والأولاد؛ لنرتب أحوالهم، ونصلح شئونهم -مستعينين بالله تعالى-، ونراجع مواقفهم ونتفقد إيمانهم، ونعمل على تقويتهم علميًّا وعباديًّا، وقلبيًّا ونفسيًّا، وبدنيًّا، ونتفقد مواضع الخلل والنقص في حياتنا؛ لنتفاداها ونتجنبها.

لا بد مِن ترميم البيوت إيمانيًّا ودينيًّا، وتحصينها علميًّا وتربويًّا؛ هذا ما يمكن عمله، وهذا هو أهم الأولويات في المرحلة القادمة، وهذا هو الواجب على كل أبٍ، وكل زوج، وكل زوجة، وكل فرد؛ إصلاح النفس، وإصلاح القريبين والمقربين، مع استذكار أنواع الفتن وكيفية التصرف فيها تصرفًا شرعيًّا.

ولا بد أن نعلم: أين نحن الآن في مراحل التاريخ؟!

فهذا مهم جدًّا؛ لأن تحديد المرحلة يحدد ما يجب فعله في تلك المرحلة.

وهذه نقطة في غاية الأهمية، فما يصلح في مرحلةٍ قد لا يصلح في مرحلةٍ أخرى، وما يناسِب مرحلة ما قد لا يناسب مرحلة أخرى.

فلا بد مِن تحديد أين نحن الآن؟! أين موقعنا مِن التاريخ؟! لنتصرف على ضوئه التصرف المناسب اللائق المطلوب.

وفي السُّنة النبوية الشريفة تفصيل للمراحل، وتحديد للمطلوب فعله في كل مرحلةٍ وما يناسبها.

ومَن جهل هذا تاه وضاع، وضل وأضل، وزل وأزل!

وأعود لأذكر وأكرر: المستجدات متسارعة، والإيمان متدهور ومتناقص؛ فتفقدوا إيمانكم، وإيمان ذويكم مِن الأولاد والزوجات والأمهات، والآباء والإخوة والأخوات، ولا تحتاروا ولا تنشغلوا، ولا تضيعوا هذه المهمة وهذه الوظيفة الحالية؛ فتخسروا وتندموا.

وأقترح إنشاء جلسة إيمانية عائلية، يوميًّا أو يومًا بعد يوم لمدة نصف ساعة على الأقل، يتم فيها قراءة القرآن مع التفسير والقراءة في كتاب قصص الأنبياء، أو سير الصحابة، أو كتب عن الدار الآخرة، أو موضوعات إيمانية متنوعة، مع التركيز على العبادات الشخصية الفردية.