إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 28 نوفمبر 2017 - 10 ربيع الأول 1439هـ

رمتني بدائها وانسلَّتْ!

كتبه/ محمد صلاح الإتربي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

رمتني بدائها وانسلَّتْ!

فهذا مثل تضربه العرب لكل مَن رمى غيره بعيبٍ هو فيه، وأصل هذا المثل أن امرأة تسمى "رُهم بنت الخزرج"، وكانت زوجة سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانت لها ضرائر، فسابَّتها إحداهن يومًا -أي شتمتها- فرمتها رُهم بعيب هو فيها -أي في رُهم-؛ فقالت ضرتها: "رمتني بدائها وانسلَّتْ!" فصارت مثلًا (الأمثال للقاسم بن سلام ص 73).

- لا ينقضي العجب ممَن يرمي غيره بالتعصب ثم هو أشد المتعصبين لرأيه!

- لا ينقضي العجب ممَن يرمي غيره بالسذاجة السياسية، وهو مَن يستقي كل معلوماته وتحليلاته مِن أخبار منشورة؛ لا يدري: أصحيحة أم كذب؟!

- لا ينقضي العجب ممَن يرمي غيره بالتفريط في دروس العلم والانشغال عنه، وهو رغم زوال العوائق دائم الاعتذار عن درسه!

- لا ينقضي العجب ممَن يرمي إخوانه بأقذع الشتائم والسباب، ثم ينعي الحال المتردي الذي وصل إليه الناس مِن تدني الأخلاق!

- لا ينقضي العجب ممَن يصيح ليل نهار: أين المشمّرون لدين الله؟! وهو أول المتقاعسين عن أقل ما يلزمه مِن العمل للدين!

- لا ينقضي العجب ممَن يرمي الناس هنا وهناك بالأباطيل، ثم هو يطلب دليلًا لكل مَن يبصِّره بمواقع الزلل عنده، والتي هي أشد وضوحًا مِن الشمس في رابعة النهار!

- لا ينقضي العجب ممَن يتباكى على ندرة العلماء العاملين وهو أول المفرطين فيما يلزمه مِن طلب العلم، بل هو فقط مشغول بدنياه!

- لا ينقضي العجب ممَن ينكر عليك ما تفعله في العلن مما تراه جائزًا، ثم ينصرف ليفعله هو في الخفاء!

- لا ينقضي العجب ممَن ينكر على غيره التعصب لقولٍ أو مذهب أو طائفة بتعصبٍ لا يقل عنه -بل يزيد!-، لقول آخر أو مذهب آخر أو طائفة غيرها!

- هذا كله يذكرني بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في إنكاره على مَن يبصر القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عين نفسه!

وإن أسوأ ما في هذا الأمر هو أن صاحبه المبتلى به، لا يشعر به؛ ولذا حثـَّنا الشرع على أن ننصح بعضنا بعضًا، وجعل مِن علامة المؤمن الصادق أنه ينصح غيره ويبصره؛ كي يتجنب مواطن الزلل، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) (رواه مسلم)، وقال: (الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

فهل تريد أن تنجو مِن تلك الآفة؟!

اتخذ إخوان صدق يرشدوك متى زللتَ، وسَهِّل عليهم نصحك، وامتثل لما يذكرونه لك؛ فهم صمام الأمان لك.

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "رحم الله رجلًا أهدى إليَّ عيوبي!".

ثم اجعل همك إصلاح عيبك، ودع عنك عيوب الناس، وتذكر دائمًا أن شغلك بعيب نفسك خير لك مِن شغلك بعيوب الناس.

واعلم أن أهون عيب لك هو أشد عليك يوم القيامة مِن أشد عيب تراه في غيرك؛ فليكن همك صلاح نفسك، عصمني الله وإياك.