إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 26 نوفمبر 2017 - 8 ربيع الأول 1439هـ

هل السَّلَفيَّة مصدر الإرهاب؟!

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمنذ بدايات العمل الإسلامي في السبعينيات مِن القرن الماضي ظهر اسم "السَلَفيّة" بعد الانشقاق الذي تعرضتْ له (الجماعة الإسلامية) إلى ثلاثة اتجاهات:

الأول: "الإخوان المسلمون".

والثاني: "الجماعة الإسلامية" في الصعيد، والتي تَبَنَّت خط العنف والصدام مع الدولة، وتَحالَفَت مُؤقتًا مع "تنظيم الجهاد" الذي كان يعمل في سِرّيةٍ بعيدًا عن حركة الشباب في (الجماعة الإسلامية) قبْل انشقاقها، والذي كان يتبنى الفكر القُطْبِيّ، ويُرَبّي أبناءه في البيوت -لا في المساجد- على كتاب "مَعَالِم في الطريق" لـ"سيد قُطب" كمحورٍ تعليمي وتربوي، ثم انفصل التنظيمان "الجماعة الإسلامية" و"الجهاد" بعد أشهرٍ قليلة مِن اغتيال "السادات".

والثالث من الاتجاهات كان هو: "المدرسة السلفية"، التي اختارت لها اسم "الدعوة السلفية" بعد سنواتٍ يسيرة مِن تأسيسها، مُنفَصِلَةً في منهجها وتأصيلها عن جماعة الإخوان، وعن التحالف الصدامي -قبْل انقسامه وبَعدَه- المُمَثَّل في الجماعة الإسلامية في الصعيد، وتنظيم الجهاد.

وكان اسم "السلفية" في ذلك الوقت يتعرض للسخرية المستمرة مِن كلٍّ مِن الاتجاهين: "الإخواني، والصدامي"؛ فتارة يقولون: "السلف تلف والرد خسارة!"، وتارة يقولون: "الدعوة التلفية!"، وتارة يقولون: "فلسفة الجُبن!"، وتارة يقولون: "عملاء أمن الدولة!"، وغير ذلك مِن أنواع التهم والاستهزاء!

لسنواتٍ طويلة لم يفكر أحدٌ منهم في أن يتسمى بـ "السلفية"، وسارت "الدعوة السلفية" في طريقها، وحققتْ -بحمد الله- نجاحاتٍ في الدعوة إلى الله، كانت بها رائدة كل مَن انتمى للسلفية بعد ذلك، وإن لم يكن مُنتميًا لإدارةِ الدعوةِ، ولا بطريقة تعليمِها ومنهجِها في القضايا المختلفة.

وكانت لأول مرة أسمع فيها مصطلحات، مثل: "السلفية الجهادية"، و"السلفية التكفيرية"، و"السلفية القطبية" في أثناء التحقيقات التي تمتْ في اعتقال سنة 2002م، وأنكرتُ معرفتي -أمام مُحَقِّقي أمن الدولة- بهذه الأقسام؛ وإن كانت هناك فِعلًا على أرض الواقع اختلافات بيْن التوجهات، لكن لم تكن تنتسِب هذه الاتجاهات للسلفية ولا ترفع اسمها، فكان طبيعيًا أن أنكر انتساب هذه التوجهات للسلفية؛ فلا هي تَرفَع رايتَها، ولا تتفق مع منهجها، وإن اجتمعت معها في بعض المرجعيات، وبعض العقائد -تكثر وتقل-.

ثم بعد هذه الفترة انتشرتْ بقوةٍ هذه الأسماء، وصار أصحاب التوجهات المختلفة مِن: "تكفيرية، وصدامية، وقطبية، وسرورية" -والتي ظهرتْ أولًا باسم السلفية الجديدة للتميز عن "الدعوة السلفية"- يعلنون جميعًا الانتساب للسلفية، وصار هذا الاسم يسمع به العالم كله!

ثم اطَّلَعْت في حوالي سَنة 2006م -أو نحوها- على أبحاثٍ لمراكز بحثية غربية تقسِّم "السلفية" إلى سلفية تقليدية، وسلفية علمية، وسلفية سرورية، وسلفية جهادية، وسلفية تكفيرية، وسلفية مدخلية أو جامية، والعجب أني علمتُ أن هذه الأبحاث كان تاريخها في التسعينيات مِن القرن الماضي، وليس بعد ظهور هذه المصطلحات والتوجهات، ولكن للإنصاف كان اسم "المَدَاخِلَة والجَامِيَّة" منتشرًا قبْل ذلك، وكان شديد النقد والمُهاجَمَة لـ"الدعوة السلفية"، والاتهام لها بأنها مِن الخوارج، والقطبيين، والإخوان، وكان هذا مِن العجب؛ لأن كل هذه الاتجاهات تَسُبُّ "الدعوة السلفية" وتهاجمها على أنها العدو الأول؛ فبَدَأْتُ ساعَتَها أفْهَم مِن أين جاء الانتساب للسلفية مِن جهة هذه الاتجاهات التي ظَلَّتْ عُقودًا تسخر مِن الاسم وترفضه، ولا تنتسب له!

فقد كان أصل الإطلاق مِن هذه المراكز الغربية لتشويه اسم "السلفية"؛ لأنها الوحيدة التي ما زالتْ قادرة على استعمال النصوص في مخاطبة الناس؛ والتي بهذا مَثَّلَت قَلْب "الصحوة الإسلامية"، وسبب قوتها ونفوذها في المجتمع، بل وفي المجتمعات الغربية وغير الغربية التي يُمَثِّلُ المسلمون فيها أقلية، وفي نفس الوقت لا تصطدم مع الدولة والمجتمع، بل تعيش بسِلْمِيَّة،  ونَصيحَةٍ للناس، وحِرْصٍ على مصلحة البلاد والعباد، ودفع الفساد عنهم؛ فتكَوَّنَت لها قَاعِدةٌ عَريضةٌ مِن الشباب، والرجال والنساء والأطفال؛ فكانت بمثابة عامل إغراء للجماعات الصِداميّة أن تَقْبَل مِن أجلها رفع اسم: "السلفية"؛ إضافة إلى اسمها الأصلي، وتتوقف عن السخرية مِن هذا الاسم الذي صار عَلَمًا على هذه التنظيمات، فوُجِدَت السلفية الجهادية، والقطبية، وغيرها، وصارتْ مِن أعظم أسباب المِحَن في بلاد العالم الإسلامي وغير الإسلامي، وجَلَبَتْ أنواعَ الخراب والتدمير والتشويه للإسلام "وللسلفية بطبيعة الحال".

وصارتْ فرصة عظيمة للاتجاهات الغربية المعادية للإسلام أن تجعل "السلفية" غَرَضًا لها، وكذا الاتجاهات العلمانية الكارهة للإسلام أصلًا، وكل الاتجاهات الاشتراكية والثورية والليبرالية والقومية الرافضة للتعايش مع التدين!

كل هؤلاء صارت "السلفية" عندهم تُهْمَة يجب استئصال أصحابها؛ وذلك لأنها عندهم مصدر الإرهاب ومنبعه، والدليل عندهم هو أن الجماعات الصدامية التي تُعلِن اسم الجهاد والخلافة والشريعة تأخذ مِن "ابن تيمية - ومحمد بن عبد الوهاب"، مثل "السلفية"؛ ونسي هؤلاء تاريخ "الدعوة السلفية" المُشَرِّف، ومواقفها المحافِظة على البلاد وأمنها وسلامتها، والتي تَحَمَّلَت في سبيل ذلك أنواع الأذى مِن كل المُخالِفين لها بما لم يتعرض له أحدٌ، فقد أتتها السهام مِن كل اتجاه، وجَرَّحهَا الخصوم مِن كل حدب وصوب، وبالفعل يتم إقصاء أبنائها وتعريضهم للأذى والتعصب العكسي لمجرد وجود الهيئة مِن لِحْيَةٍ أو نِقَابٍ حتى يصبح هذا الفرد موضع التهمة، وموضع الإبعاد، وموضع التنفير! بل والعزل مِن الوظائف، ومنع التعيين ابتداءً! وكل ذلك باسم محاربة الإرهاب النابع مِن "السلفية!" -زَعَمُوا-.

وأقول: محاربة الإرهاب لا يمكن أن تتم إلا بمواجهةٍ فكرية؛ فالفكر لا يُقَاوَم بالأمن فقط، بل لا يُقَاوَم إلا بالفكر، ولن يتمكن مِن مواجهته إلا مَن له معه قدر مشترك، ومرجعية مشتركة، وإن اختلف الفهم والعمل والسلوك أَشَدَّ الاختلاف.

ومن يُحاوِل مصادمة السنن الكونية يُعَرِّض مصلحة المجتمع للخطر، ويُدَمِّر مستقبل التعايش السلمي بين طبقاته.

ويستحيل أن يَقْبَلَ مسلمٌ أنه طالما احتَجَّ الصداميون بآيات قرآنية وأحاديث نبوية واستعملوا المصطلحات الشرعية: "كالجهاد والخلافة والحدود والشريعة جُمْلَةً"؛ فالحل هو مهاجمة القرآن والسُّنَّة، والمصطلحات الشرعية، أو إلغاؤها، أو اعتبارها علامة على الإرهاب!

أَلَا فَلْنَحْرِص على مستقبل مجتمعنا وتعايشه؛ وإلا فلا تبديل لسُنَّةِ الله.

فسيبقى الإسلام، وسيبقى الدين، وسيبقى التدين، ولو كره الكارهون.