إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 26 نوفمبر 2017 - 8 ربيع الأول 1439هـ

الانحراف الفكري

كتبه/ خالد آل رحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أخطر الأمراض التي تفشَّتْ في مجتمعاتنا قديمًا وحديثًا -بل وربما يكون أهمها على الإطلاق- مرض "الانحراف الفكري"، والذي نشأ على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتصدى له بكل قوةٍ كما في حديث ذي الخويصرة الذي طعن في عدالة النبي -وغيرها مِن المواقف-، ولكن نور النبوة قضى على تلك الانحرافات بوجوده -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك عندما تجد مكانًا انتشر فيه هذا الانحراف فلتبحث عن غياب الكتاب والسُّنة فيه.

وإن ما تعانيه الأمة إلى اليوم إنما هو بسبب هذا الانحراف، بداية مِن فتنة الخوارج، ووصولاً لفتنة "الدواعش" في عصرنا الحالي، فتصدر الرويبضة قديمًا وحديثًا، فتسلط أعداء الله -تعالى- على عباده؛ بسبب هذا الانحراف، ولن نذكر أمثلة مِن التاريخ وأعيننا ترى وتُشاهِد ما يحدث في أرض الشام، وليبيا، واليمن، والعراق مِن التشرذم والتفرق، والانتصار للرجال وللمناهج الفاسدة، وكل يدعي وصلًا بليلى، ويزعم صحة منهجه، بل ويقاتِل على ذلك، ويُدخِل في الإسلام مَن شاء ويخرجه بناءً على ذلك!

والنتيجة هزائم متوالية وتسلط مِن الملاحدة، والروافض، والمشركين والمنافقين؛ لأن الجميع ينتصِر لذاته أو لشيخه أو لمعتقده حتى وإن خالف الكتاب والسُّنة، وسلف الأمة الصالح! مما كان سببًا في ازدهار هذا الانحراف، فأدى إلى إزهاق أرواح ودماء معصومة، وضياع ممتلكات لأهل السُّنة الذي يُحارَب منهجهم ليل نهار ممن يدعون متابعته؛ فضلًا عن أعدائه، ومَن يلقي نظرة سريعة يجد أن سبب البلاء المناهج المنحرفة التي كانت نواتها الأفكار المنحرفة.

فعَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خَطًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللهِ مُسْتَقِيمًا)، قَالَ: ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ، وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: (هَذِهِ السُّبُلُ، لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ) ثُمَّ قَرَأَ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) (الأنعام:153) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

قال السعدي -رحمه الله-: "الأمن مِن المخاوف والعذاب والشقاء، بالهداية إلى الصراط المستقيم".

وقال الله -تعالى-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) (الجن:16)، فكلما انحرف الإنسان عن الصراط المستقيم قرب مِن المخاوف والشقاء والعذاب بقدر انحرافه!

وهذا الانحراف له أسباب كثيرة، منها: عدم فهم الكتاب والسُّنة، وتأويل النصوص، والطعن في العلماء الربانيين، وتصدر الرويبضة حدثاء الأسنان، وكذلك عدم فقه القضايا الشرعية: كقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفقه المصالح والمفاسد، وفقه المألآت، والواقع والأولويات، ولذلك لا بد مِن العمل على تبصير الناس بهذه القضايا لنساهِم في إخراج الأمة مِن دياجير ظلمات المناهج المنحرفة التي تتخبط فيها منذ قرون عديدةٍ إلى نور الكتاب والسُّنة، والمنهج الصحيح المنبثق منهما، ومِن أفعال السلف الكرام، وعلى رأسهم الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-.