إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 25 نوفمبر 2017 - 7 ربيع الأول 1439هـ

نظرات في مؤشرات التعدادات السكانية (زواج الأطفال مثالًا)

كتبه/ مصطفى خطاب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثيرًا ما يتحدث البعض عن أزمات ومشكلات ليس لها انعكاس حقيقي على أرض الواقع، وذلك نتيجة وقوع المتكلم تحت تأثير الانطباع الشخصي والانحيازات "سواء الفكرية أو العاطفية"؛ لذلك يلجأ الباحثين إلى الإحصاءات وتحليلاتها الكَميَّة والوصفية.

وفي هذا الإطار يمكن التمثيل بقضية يسعى بعض مَن يطلق عليهم "وصف الحقوقيين" إلى إثارتها مستغلين الإعلام في التشغيب مِن أجل سَنِّ قوانين تحقق لهم ما يسعون إليه، وهي قضية "زواج الأطفال"، أو بالأحرى: زواج الفتيات دون سن 16 عامًا، وهي القضية التي تُناقَش حاليًا في أروقة الحكم، وتكلم عنها رئيس الجمهورية معلِّقًا على نتائج عرض التعداد السكاني الأخير.

ففي هذا المقال لن نتناول تلك القضية مِن الجانب الشرعي؛ لأن نقاش مثل تلك القضايا لها منهجيات وأساليب مختلفة في التناول والطرح، لكن سنتناول القضية مِن وجهة نظر علمية بحثية تحليلية فقط.

فالمتابع للقضية يجد أن أغلب مبرراتهم للسعي لسنِّ مثل تلك القوانين تدور على أمرين:

الأول: بيولوجي مِن قبيل عدم قدرة الأنثى على تحمل أعباء الزواج مِن حمل، وتربية أبناء، والقيام بأعباء الأسرة المختلفة.

الثاني: نفسي بأن هذه الأنثى ليستْ مؤهلة نفسيًّا بالشكل الكاف لتحمل أعباء إنشاء ورعاية أسرة وأطفال.

ولا يخلو الأمر مِن استغلال حالة أو حالتين لحوادث مأساوية تعرضت لها إحدى الفتيات مِن أجل تضخيم القضية وتصويرها أنها حالة عامة وغالبة التكرار!

وفي المقابل: يكفي الإشارة إلى أن زواج مَن هم دون 18 سنة أمر مقبول اجتماعيًّا "قديمًا وحديثًا"، وأن الأُسر كانت تنعم بحالات السلم والدفء والرعاية التي أفرزت مجتمعًا متماسكًا، وليس مجتمعًا مفككًا كما نشاهِد جراء حملات التغريب المستمرة في العقود الأخيرة.

وفي هذا الإطار يمكن الرجوع إلى الإحصائيات الرسمية التي صدرت عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (تعداد 2017)، فالإحصاءات تشير إلى أن عدد المتزوجين في مصر يصل إلى 5.6 مليون نسمة تقريبًا، وأن تقديرات زواج مَن هم 18 عامًا فما دونهم (كما يحلو لهم التسمية بها، وإن كنتُ لا أقر ذلك) تبلغ حوالي 294 ألفًا، وأن ما دون 16 سنة 51 ألفًا فقط، في حين يبلغ عدد المتزوجين في الفئة العمرية مِن 20 -30 سنة حوالي 12.5 مليون نسمة.

وبالرجوع إلى الإحصاءات نفسها يمكننا اعتبار معدلات الطلاق أحد المؤشرات الرئيسية الملموسة التي يمكن قياسها كدليل على عدم القدرة النفسية على تحمل أعباء إنشاء ورعاية أسرة؛ فبالأرقام نجد أن عدد حالات الطلاق في الفئة العمرية التي يدرجونها تحت فئة الطفل (أي ما دون 18 سنة) هي 3231 حالة طلاق، أي بما يعادل 1% مِن حالات الزواج، وفي المقابل بالنظر إلى حالات الطلاق في الفئة العمرية مِن 20 -30 سنة تبلغ 254 ألف حالة تقريبًا، أي ما يعادل 2% مِن حالات الزواج.

فهذه الأرقام توضِّح أن الأزمة الاجتماعية الأكبر في الفئات العمرية الأكبر سنًّا، وليستْ في حالات زواج مَن هم دون 18 سنة "كما يسعى البعض إلى تصويرها للمجتمع!"، وهي أيضًا تحمل ردًّا للمزاعم أن التهيئة النفسية للفتيات الأصغر سنًّا سببًا في المشكلات الاجتماعية: "كالطلاق، والخلع"، وهو ما توضح الأرقام عكسه!

فالنتائج الرسمية توضِّح أن الأمر لا يمثـِّل أي أزمةٍ حقيقية سواء على المستوى الاجتماعي كنسبة طلاق، بل إن سنَّ مثل تلك القوانين قد يسبب كثيرًا مِن المشكلات الاجتماعية؛ لأنها تخالِف الأعراف، والعادات والتقاليد المجتمعية، وهو الأمر الذي يؤدي إلى لجوء الكثيرين إلى طرق غير رسميةٍ للتحايل على مثل تلك القوانين: كعدم توثيق الزواج إلا بعد بلوغ السن القانوني، وهو الأمر الذي يترتب عليه مشاكل مجتمعية حقيقية مِن قبيل: قضية نسب الأبناء، والتسرب مِن التعليم، وغيرها؛ بالإضافة إلى ازدياد احتمالية ضياع حقوق بعض النساء نتيجة التعنت، وعدم مراعاة الوضع المجتمعي، والعادات والتقاليد التي لا تشكِّل أي مشكلة مجتمعية بقدر ما تفعله مثل تلك القوانين.

فهؤلاء الساعون لسنِّ مثل تلك القوانين تحت زعم رعاية حقوق الأطفال أو المرأة همْ أول مَن يعملون حقيقة على إضاعة حقوقهم بمثل تلك القوانين المصادمة للمجتمع المصري!