إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 01 نوفمبر 2017 - 12 صفر 1439هـ

عواقب الأمور

كتبه/ أحمد عبد السلام ماضي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالنظر في عواقب الأمور، وتجنب التفكير السطحي والعاطفي مِن أسباب التوفيق، والمتأمل في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأدلة الكتاب والسُّنة يجد ذلك جليُّا،

أنتَ عندما تجد قاتلًا ومقتولًا؛ للوهلة الأولى تتعاطف مع المقتول ضد القاتل، في حين إذا تأملتَ يوجد احتمالات كثيرة، فقد يكون هذا القاتل يدافِع عن نفسه أو دينه أو عرضه، وقد يكون ظالمًا معتديًا، وقد يكون الاثنان ظالمين إذا كان قتال فتنة أو عصبية أو للملك.

وهذا ما يرشد إليه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ)، قِيْلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) (متفق عليه). هنا لم يتحمل الذنب القاتل فقط، بل المقتول شريكه في الإثم بنيته، وأنه لم يسعَ لحلٍّ آخر، فحوادث الحياة تحتاج إلي تأملٍ، وبُعد نظرٍ.

وقد جاء في نصيحةٍ لبعض القضاة: "إذا جاءك مَن فُقئتْ عينه؛ فلا تقضِ له حتى تنظر في الآخر، ربما فُقئتْ عيناه!"، فالقاضي لو كان عجولًا انفعاليًّا لأضاع الحقوق؛ ولذا جاء النهي في الحديث الصحيح عن أن يقضي القاضي وهو غضبان؛ لأن الغضب يمنع مِن الفكر والتأمل غالبًا.

والتأني وبُعد النظر مِن أهم صفات القائد، وتأمل هذه الواقعة -وهي في السُّنة الصحيحة-: قد دخل أعرابي ليبول في المسجد، فقام الصحابة ليقعوا به، وقالوا: مه مه! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ) فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: (إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) (متفق عليه).

فهذا الأعرابي فعل منكرًا وشرع فيه، وقام الصحابة لتغيير هذا المنكر وهمّوا بضربه، فمنعهم -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يدل على بُعد نظره وكمال بصيرته.

فلو تركهم -صلى الله عليه وسلم- يضربونه؛ لازداد تلوث المسجد، وتلوث الأعرابي أيضًا، وتضرر، والأخطر مِن ذلك: أن ينفر عن الدين، ويشيع مقالة السوء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والإسلام، وهذه مفسدة متوقعة، ولكنها مفسدة كبرى.

فهكذا ينبغي أن تكون القيادة، وأن يكون القائد.

إن ما تمر به أمتنا "والصحوة الإسلامية في قلبها" مِن أحداثٍ وأخطار كبرى يستدعي قيادة رشيدة بعلم وبصيرة، وإن الأحداث لتثبت خطورة أن يتصدر الجهلاء والمتهورين الذين لا يُحسنون النظر في عواقب الأمور، ولا يَعرفون الموازنة بيْن المصالح والمفاسد.

فلعل مَن أخطأ أن يفيق.

أسأل الله أن يرزقنا البصيرة والعلم النافع، والعمل الصالح.