إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 31 أكتوبر 2017 - 11 صفر 1439هـ

لا تكتفِ بأن تكون صالحًا فقط!

كتبه/ أسامة شحادة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أخبرنا الله -عز وجل- في القرآن الكريم مرات عديدة أن صفوة الصفوة مِن البشر هُمْ الأنبياء، ومَن سار على دربهم، قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (آل عمران:33)، وقال أيضًا عن الأنبياء والرسل: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (الدخان:32)، وأن هذه الصفوة مِن البشر كُلّفت بمهمة البلاغ، قال الله -جل جلاله-: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (الشورى:48).

ومَن استجاب للبلاغ فإن للأنبياء والرسل معه وظيفة أخرى، قال الله -تعالى-: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الجمعة:2)، حيث تكون وظيفة النبي مع المستجيبين للبلاغ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، بتعليمهم أحكام ومفاهيم الكتاب، والحكمة وهي السُّنة، وتزكيتهم وتربيتهم على مقتضى الكتاب والسُّنة.

هذه هي مهمة الأنبياء، والتي ينتج عنها المؤمنون الصالحون، كما تجسَّد ذلك في واقع الصحابة والتابعين الذين عمَّروا الدنيا بصلاحهم، لكن هناك مهمة خاصة بصفوة الصالحين الذين أنتجهم الأنبياء حتى تتواصل مسيرة الهداية الربانية في الأرض، فقد أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ، كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فوراثة النبوة التامة تكون بالتعلم لما جاء به الأنبياء، والعمل بما أَمر به الأنبياء، والدعوة لما أرشدوا إليه، وبذلك تتم وراثة النبوة وتكتمل بالصلاح الفردي والإصلاح المجتمعي الذي يشمل جميع الكائنات؛ حتى الحيتان في البحار تصلح وتستفيد مِن تطبيق العلم الذي جاء به الأنبياء، فتستغفر لورثة الأنبياء من المصلحين.

وقد بيَّن القرآن الكريم أن الإصلاح ذو مكانة عالية، فقال -تعالى-: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود:117)، فجعل الإصلاح وقاية مِن إهلاك المجتمعات، قال -تعالى-: (وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر)، فجعل الإصلاح: (التواصي بالحق) مانعًا مِن الخسارة الشخصية والفردية.

والمصلِح كما يقول الشيخ ابن باز -رحمه الله- هو: "الذي يتولى إصلاح الناس ويتولى توجيههم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والأخذ على يد السفيه، ونحو ذلك؛ فهو صالح مصلح".

ويقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "فالإصلاح وصف زائد على الصلاح، فليس كل صالح مصلحًا، فإن مِن الصالحين مَن همّه همّ نفسه ولا يهتم بغيره، وتمام الصلاح بالإصلاح".

ومِن هنا، فالطامحون لبلوغ أعلى الدرجات همّتهم تتعلق بالإصلاح كما قال شعيب -عليه السلام-: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) (هود:88).

وحتى يكون الصالحُ مصلحًا تلزمه بعض الصفات والمهارات والخبرات، سنتناول بعضها في الكلمات القادمة -بإذن الله-.