إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 28 أكتوبر 2017 - 8 صفر 1439هـ

في مواجهة روافد العنف والتكفير

كتبه/ غريب أبو الحسن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- دعونا بداية نسأل: لماذا تتكرر عمليات الإرهاب؟!

والجواب ليس صعبًا أو عسيرًا:

1- لأن هناك واقعًا عالميًّا يَرى أن أقصى ما يستحقه "الشرق الأوسط" هي الفوضى الخلاقة.

2- ‏لوجود تحالف إقليمي (تركيا - قطر - إيران - الإخوان) يرى في بقاء مصر والسعودية متماسكتين عقبة في طريق مشروعه، ويريد مِن البلدين اللحاق بالعراق، وسوريا، واليمن، وليبيا، وغيرهم، وهو الذراع التنفيذية لمشروع تلك الفوضى، ويطمعون في أن يؤول إرث المنطقة لهم.

3- ‏ولوجود تيارات تدعي نصرة الإسلام، وهي في الحقيقة مخترقة مخابراتيًّا، وتسعى لهدم ما تبقى مِن حواضر السُّنة؛ استعدادًا لتسليمها لمالكها الإقليمي الجديد!

4- ‏ولأن منظومة مواجهتنا للإرهاب بها مِن الثغرات ما يسمح لتلك المنظمات ولمَن خلفها "بالتسلل مِن خلالها"، ومحاولة استيطان بلادنا.

فما هي الروافد التي تغذي الإرهاب؟ وما هي إستراتيجيتنا في مواجهتها وتجفيفها؟!

- ‏لتيارات العنف أربعة روافد تغذيها وتمدها بأسباب البقاء:

- منها: الدعم الخارجي المخابراتي والمادي.

- ومنها: القدرة على إقناع منتسبين جدد، وتدفق مزيد مِن الشباب نحو تلك الأفكار.

- ومنها: وجود حاضنة شعبية تؤمِّن لهم المدد، وتوفِّر لهم الغطاء.

- ومنها: منطلقاتهم الفكرية التي تشعرهم بعدالة قضيتهم، وتقنع مزيدًا مِن الأتباع بهم.

1- الدعم الخارجي المخابراتي والمادي:

إن المتابع لنشاط تلك الجماعات يوقِن أن هناك دعمًا خارجيًّا هائلًا بالمعلومة، والتخطيط والسلاح؛ لذلك ينبغي أن يوقن كلُّ مَن يدعم الإرهاب أن كل مليم ينفقه في دعم الإرهاب، وكل معلومة يقدمها، وكل ألم يسببه لأمٍ أو وزوجة أو أطفال أنه سوف يذوق مِن نفس الكأس، ويتجرعه حتى آخره.

2- ‏قدرتهم على إقناع مزيدٍ مِن الشباب بالانضمام لهم:

تتعدد الأسباب التي تجعل بعض الشباب يرتمي في أحضان الفكر التكفيري، وفي القلب منها: أن ذلك الشباب يرى أن هناك اختلافًا بيْن واقعه وبيْن ما يتلوه مِن "القرآن الكريم"، وما يقرأه في سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ويرى أقلامًا مسمومة ومأجورة تنال مِن ثوابت دينه كل يوم؛ لذلك كلما عملنا على تقليل المسافة بيْن واقعه وبيْن الإسلام الوسطي الصافي، كلما فقدوا المبرر الأقوى في تدفق أتباع جدد لهذا الفكر الهدام.

‏- ومنها: انسداد سبل المشاركة السياسية والمجتمعية والدعوية أمام أولئك الشباب، وعدم إتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة في بناء بلدهم حتى ولو بالمعارضة بصوت مرتفع؛ فإن انسداد سُبُل المشاركة أمام الشباب تقوده نحو العزلة المجتمعية ثم الاغتراب السياسي ثم ممارسة العنف تعبيرًا عن الاحتجاج!

- ‏ومنها: ما تعانيه البلاد مِن أزمةٍ اقتصاديةٍ وشظف العيش، وعدم تساوي الفرص، وغياب المعايير العادلة لتولي المناصب أو الترقي، وما يرافقها مِن اضطهادٍ لمَن له توجه سياسي أو ديني، وحرمانهم مِن الانتساب لمؤسسات الدولة.

3- وجود ‏البيئة الحاضنة لتلك الجماعات:

- إن أخطر ما يمكن أن يواجِه أمة هو أن يستوطن الإرهاب أرضها، ولا يستوطن الإرهاب أرضها؛ إلا إذا وجد البيئة الحاضنة التي ترعاه وتحميه وتمده.

- ‏ومِن أكبر أسباب وجود البيئة الحاضنة: المظالِم التي مِن الممكن أن يعاني منها الناس لسببٍ سياسي أو ديني أو مناطقي، ثم يجدوا مِن السلطة يدًا غليظة، بينما يمد لهم الإرهابيون يدًا حانية، ثم يقولون لهم: إنما نقاتِل مِن أجل أن نرفع الظلم عنكم!

- ‏ومِن أسباب وجود البيئة الحاضنة: إهمال الدولة لبعض الأماكن؛ فلا تصل لها يد التنمية عقودًا طويلة، وشعور مواطنيها أنهم لا أحد يهتم بهم.

- ‏ومِن أسباب وجود الحاضنة الشعبية: انتشار الفساد والمحسوبية، ونهب المال العام، وهروب مَن يفعل ذلك مِن يد العدالة.

- ‏ومِن أسباب وجود الحاضنة الشعبية: ملاحقة الدعاة المعتدلين وحصارهم، والحيلولة بينهم وبيْن مخاطَبة الناس، فينطلق الشباب نحو النت ومواقع التواصل لتكوين قناعاته الدينية والفكرية دون أن يجد مَن يرشده أو يرد على شبهاته، فتنتشر تلك الأفكار ثم تتحول لبيئةٍ حاضنة لتلك التيارات.

- ‏ومِن أسباب وجود الحاضنة الشعبية: نظرة التخوين والانتقاص التي قد تُنظر إلى أهالي بعض المناطق الملتهبة مِن بعض المسئولين، وبدلًا مِن بناء جسور الثقة معهم، وزيادة شعورهم بالانتماء؛ يتم العمل على عكس ذلك!

4- ‏منطلقاتهم الفكرية التي تقنعهم بعدالة قضيتهم:

- إن المنطلقات الفكرية لجماعات العنف والتكفير هي حصنها الأول، وشبكة صيدها ولجامها الذي تقود به أتباعها، وغشاوتها التي تعمي بها أبصارهم، وطالما بقيت دون نقدٍ وتفنيد؛ فهي معينها لمزيدٍ مِن الأتباع.

- ‏لذلك وجب نقد هذه المنطلقات نقدًا شرعيًّا رصينًا مِن أهل الخبرة والاختصاص، بعيدًا عن الاحتفالات بليلة القدر، ورأس السَّنة الهجرية.

- ‏وترك البيئات الصالحة التي يتعرف فيها الشاب على دينه وتعاليمه الصحيحة دون تأميم "وأقصد بها المساجد"؛ فهي المكان الذي تنبت فيه شخصية المسلم سوية خالية مِن الانحراف؛ يتعلم فيها العقيدة السليمة والعبادة والمعاملة الصحيحة.

وتأميم هذه المساحات أو تصدير مَن لا يصلح فيها؛ خطر كبير تدفع الأمة كلها ثمنه، فالرغبة في التدين والتعبد أمر ملح في قلب المسلم سيبحث عنه لا محالة، وحينما نحول بينه وبيْن النموذج الصالح نتركه فريسة للنماذج الفاسدة "كالنموذج الخرافي أو التكفيري!"، نريد نموذجًا يستند إلى القرآن والسُّنة الصحيحة؛ لأن مَن يحمل هذا النموذج لا تنطلي عليه حيل أهل الغي والانحراف.

- ‏نريد نموذجًا غير راضخ لإملاءات الغرب الذي يسعى لفرض نموذجٍ إسلامي وُلد مِن رحم المستشرقين، وشب وترعرع على موائدهم، وبطعامهم الفاسد!

إن انتهاء دور هذه الجماعات في سوريا والعراق بعد أن أدوا مهمتهم بنجاحٍ يجعلنا نترقب جيدًا لمحطتهم القادمة!

وبعيدًا عن التقارير الزائفة التي تجمِّل الصورة، فإن المتابع الدقيق لنمو التيارات الفكرية يجد زيادة في التوجه نحو الفكر التكفيري؛ مما يدق ناقوس الخطر، ويحتم علينا الانتباه.

إن أمن وسلامة ومقدرات ودين هذه البلاد أمانة في أعناقنا جميعًا، وسنسأل بيْن يدي الله عنها.

أسأل الله أن يحفظ بلادنا مِن كل سوء.