إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 25 أكتوبر 2017 - 5 صفر 1439هـ

أقراص مهدئة... للضمير! (3)

كتبه/ علاء عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن الحجج الجاهزة والتبريرات المعلبة، والتي ما هي إلا مخالفات ومغالطات تمتْ صياغتها على هيئة أمثلة شعبية، وكلمات مأثورة، قول بعض الناس على سبيل المثال: "العمل عبادة"، وهو تبرير سمج لترك الجمع والجماعات، والفرائض المكتوبة.

وقولهم: "اللي يعوزه -يحتاجه- البيت يحرم على الجامع!": وهذا اجتراء على شعائر الله، ودعوة إلى البخل؛ خاصة لو علمتَ أن أكثر هؤلاء الذين يرددونها تجد في بيوتهم ما يكفيهم وزيادة، وليسوا في حاجةٍ شديدةٍ -كما يوهمك المثل!-.

ومثله ذلك -أيضًا- الاحتجاج الزائف بعموم أحوال الناس (حيلة التعميم): كالذي يمشي في الحرام أو يأكل الحرام ولا يشعر بكبير إشكال؛ لأنه في النهاية "زي الناس"، ومثله الأم التي لا ترى بأسًا أن تتبرج بنتها أو تلبس حجابًا متبرجًا حتى تكون "زي البنات" -مثل البنات!-، أو حتى لا يتأخر زواجها، وحينما يأتي يوم زواجها لا بأس بالاختلاط والتبرج، والرقص مع الرجال، كما أنه ليس هناك غضاضة في خلع حجابها "المتبرج" أساسًا؛ لتبدو جميلة في "ليلة العمر" -كما يقولون!-.

فكل هذه أمثلة شعبية سائرة ومنتشرة بيْن الناس تعمل في المجتمع كالمحامي الآفاق الذي ينجو عتاة المجرمين مِن العدالة بسبب حيله غير الشريفة؛ فمهمته أن يسهِّل على الناس فعل المصائب، وتخفيف العواقب!

كذلك هذا الذي يكن العداوة للمجتمع ويقول: هلك الناس!، أو الشخص بعينه، ولكنه يقول لنفسه هو مَن يكرهني أو هذا المجتمع الفاسد هو الذي يعاديني، أو يغش الناس ويقول هم يغشونني وأنا آخذ جزءًا مِن حقي، أو يظلمهم ويقول هم يظلمونني (حيلة الإسقاط).

هكذا يستخدم البشر هذه الحيل النفسية لإلباس ما يفعلونه لباسًا أخلاقيًّا أو تجنبًا للصراع الداخلي والشعور بالذنب، ومِن أكثر هذه الحيل النفسية الدفاعية: استخدام التبرير الواهي، والتعميم، والإسقاط، وغير ذلك مِن حجج ارتكاب الأخطاء؛ تتدرج هذه الأخطاء في حجمها وأثرها بدءًا مِن الأخطاء اليومية الصغيرة حتى تصل إلى الفظائع والشنائع التي تُباد فيها شعوب، وتزهق فيها أرواح.

 فليبدأ كل إنسان منا بنفسه حتى لا يبرر أخطائها، ولا يقع في واحدة مِن هذه الأساليب الخادعة، بل ينبغي الانتباه لهذه الحيل في دواخل نفوسنا وهي تحاك في خفاءٍ وصمتٍ حيث لا رقيب عليك بعد الله إلا أنتَ.

فلا شك أن هذه هي الخطوة الأولى لمعالجة النفس، وهي أن يصارح كل منا نفسه بأخطائها وعيوبها، وأن يرى حقيقة نفسه كما هي بلا زيفٍ، ولا تجميل؛ فخداع النفس حماقة كبيرة، ولعل الإنسان منا حينما يمتلك مِن الشجاعة أن يقول لنفسه: لقد أخطأتُ في هذا الأمر أو ذاك وما دفعني إليه إلا ضعف إيماني، أو رغبة دفينة محرمة، أو الحرص على الدنيا، أو الغضب لنفسي، أو الغفلة عن ذكر الله أو التكاسل عن أداء واجبي، أو جهلي أو لضعفٍ في إرادتي، أو غير ذلك مما يعتري النفوس - فتكون هذه المصارحة أول خطوات العلاج الناجع، وأولى درجات ارتقاء نفسه وزكاتها عن درن الشهوات الدنيئة الخفية، وأبعد عن الوقوع في الحسرات.

والكيس مَن دان نفسه.