إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 25 أكتوبر 2017 - 5 صفر 1439هـ

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)

كتبه/ أحمد حمدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه الآية الكريمة مِن سورة "هود" على لسان شعيب -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- تبيِّن لنا أن الإصلاح والتغيير يكون على قدر الاستطاعة، والممكن والمتاح، وأن القدرة مناط التكليف، وما لا يدرك كله لا يُترك جله، وأنه لا بد مِن الأخذ بكل الأسباب والوسائل الممكنة والمتاحة مِن حسن التخطيط والإدارة، والترتيب والتنظيم، وإعداد القوة واستفراغ الوسع والطاقة، بغض النظر عن النتائج، قال الله -تعالى-: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة:286)، (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء:84)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (متفق عليه).

فالأخذ بالأسباب واجب، والاعتقاد فيها شرك، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأخذ بالأسباب كأنه لا يتوكل على الله؛ فانظر يوم الهجرة والتخطيط لها، فاختار وقت الخروج وقت الظهيرة؛ لأنه غالبًا لا يخرج فيه أحدٌ في بطحاء مكة وصحرائها، وحرارة شمسها الحارقة، وجعل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ينام مكانه ويتغطى ببردته، واختار الصاحب أبا بكر، وجهز الراحلتين، واختار عبد الله بن أريقط وهو رجل خريت عالِم بدروب الصحراء، ونزل جنوبًا لغار "ثور" وهو غار مهجور، ومكث فيه ثلاثة أيام حتى لا يظن أحدٌ بوجوده به متخفيًا مِن الرصد، ثم سلك طريق ساحل البحر الأحمر إلى المدينة شمالًا وهو طريق غير مسلوك مِن أهل مكة للمدينة.

وجعل أبا بكر يأتي بالأخبار، وأسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين تأتي بالطعام، وعامر بن فهيرة خادم أبي بكر يداري آثار الأقدام بالماعز، ثم بعد ذلك لما وقف الكفار على فوهة الغار، قال أبو بكر -رضي الله عنه-: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا) (متفق عليه).

وهذا دليل على استشعار المعية والتوكل على الله، فكان -صلى الله عليه وسلم- يتوكل على الله وكأنه لا يأخذ بالأسباب؛ فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، وينبغي علينا في طريق الدعوة والتغيير والإصلاح، الأخذ بالأسباب المادية سواء الإعلامية أو الاقتصادية، أو بالتكنولوجيا ونظم الإدارة، والتنمية البشرية وإدارة الموارد البشرية، أو تدريب الأفراد وإعدادهم، وإيجاد البدائل، وتقنين الأوضاع، والاستماتة والبذل والتضحية، وروح الجلد والمثابرة على المساحات الدعوية، وعدم الاستسلام للمعوقات؛ كل ذلك مع الأخذ بالأسباب الإيمانية، والتوكل على الله وتفويض الأمر إليه، والاعتماد وسكون القلب له، والتعلق به مِن الدعاء والتضرع، والافتقار والانكسار له والذل، والطاعة والاستغفار؛ استجلابًا لرحمة الله، قال -تعالى-: (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النمل:46)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ) (رواه النسائي، وصححه الألباني)، وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنما تنصرون على عدوكم بطاعتكم لله، ومعصيتهم لله، فإن تساويتم في المعصية كانت الغلبة للقوة والعدد".

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ): الباء، باء الاستعانة بالله. (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود:88): الإنابة والإخبات والرجوع له.