إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 23 أكتوبر 2017 - 3 صفر 1439هـ

صناعة النماذج الفذة

كتبه/ وائل رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- أروع وأعظم المثل في صناعة جيلٍ متميزٍ ومتفرد، مِن النماذج الفذة التي لم يَعرف التاريخ مثلها مِن قبْل ولا مِن بعد، واستطاع -صلى الله عليه وسلم- أن يوظـِّف طاقات هذا الجيل وإمكاناته على الوجه الأكمل، فكان لكل واحدٍ منهم على اختلاف إمكاناته وقدراته دوره الفاعل والبارز في تاريخ الدعوة الإسلامية، واستطاعوا مجتمعين أن يغيّروا وجه هذا الكون، ويصبغوه بصبغة الإسلام المباركة (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) (البقرة:138).

و"الدعوة السلفية" مطالبة اليوم بأن يكون لديها رؤية شاملة وواضحة عن كيفية صناعة مثل هذا الجيل مِن النماذج الفذة؛ جيل قادر على قيادة الأمة بهذا المنهج الرباني في هذا الطوفان الهائل مِن الأفكار والمناهج المنحرفة.

إن صناعة هذا الجيل تحتاج إلى تكريس كافة الجهود، ووضع الخطط والسياسات والبرامج، وتوفير كل الطاقات والإمكانات المادية والمعنوية؛ حتى نستطيع أن نطلق عليه "جيل النصر المنشود".

لقد استطاع "صلاح الدين الأيوبي" -رحمه الله- مِن خلال العمل المؤسسي التربوي المنظم، والمدارس التي أنشأها -في مصر والتي بلغت قرابة خمسة عشر مدرسة- تربية هذا الجيل الذي بذل له كل غالٍ ونفيس.

فالذين رباهم "صلاح الدين" صغارًا في الكتاتيب والمدارس، هم الذين اتخذهم جُندًا وقادة لتحرير بيت المقدس مِن أيدي الصليبيين بعد ثلاثة عشرة عامًا قضاها في بناء هذا الجيل.

ولا شك أن "الدعوة السلفية" المباركة، تحتاج إلى الاعتناء بمثل هذه المؤسسات؛ فبناء جيل مِن النماذج الفذة يحتاج إلى مؤسساتٍ فذةٍ، توجهها قيادات فذة، تحررت عقولها مِن الجمود الفكري، وانطلقتْ إلى سماء الإبداع والابتكار، ولم تتجاوز بذلك حدود الاتباع؛ لأنها تعلم أن الانحراف عن المنهج ليس سبيل المفلحين، واتخذت كل وسيلة مشروعة لتحقيق أهدافها؛ فالحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها.

نريد قيادات فذة مِن الرجال الأبرار الذين يستطيعون إيقاظ الهمم في أتباعهم، ويبعثون فيها العزائم، ويضعون بصماتهم على صفحات التاريخ.

نريد نماذج فذة مِن المشايخ والعلماء.

نريد نماذج فذة مِن التربويين والساسة البارعين.

نريد شخصية إسلامية ثابتة خطاها، واضحة رؤيتها وأهدافها، ناضجة أفكارها؛ لا نريد عقلية سطحية جامدة تنظر تحت أقدامها فقط، بل نريد نماذج ربانية فذة في كل مجال مِن مجالات الحياة، تقود هذه الجموع الهائلة إلى ربها بتؤدة وثبات على هدي خاتم الأنبياء.

إن "الدعوة السلفية" المباركة، وبفضل المنهج الرباني الذي حملته، لديها القدرة على بناء مثل هذه النماذج الفذة التي نريد، والتي لديها القدرة على إعادة الأمة إلى جادة الصواب بعد أن دبَّ إلى كثيرٍ مِن أرجائها الفساد في عقائدها ومعاملاتها، فوهنت وضعفت حتى وطأها الخف والحافر، واستخف بها أعداؤها، وصار دمها أرخص الدماء، وعرضها مباحًا لكل غاصبٍ!

والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يتطلعون إلى هذا الجيل الرباني الذي يُعز الله به الحق وأهله، ويمكِّن الله به في الأرض لجنده وحزبه.

ونحن معاشر المسلمين نتطلع إلى ذلك، ونتفاءل به ولا نيأس أبدًا؛ لأن الله قد وعد المؤمنين الصادقين بالنصر والتمكين: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51).