إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 11 أكتوبر 2017 - 21 محرم 1439هـ

دروس مستفادة مِن رحلة الحج (2)

كتبه/ إيهاب الشريف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تكلمنا في المقال السابق عن بعض الدروس المستفادة مِن رحلة الحج، وفي هذا المقال نشير إلى دروسٍ أخرى كذلك مستفادة مِن هذه الرحلة المباركة.

علمني الحج: أهمية الصحبة في حياة العبد عمومًا "وفي رحلة الحج خصوصًا"، فإن (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني)، كما قال -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا كان السلف يوصون مَن أراد الحج بانتقاء الصحبة لما لذلك مِن عظيم الأثر على المناسك.

فالهمة العالية كالروح تسري مِن صاحبها إلى غيره، والجمرة المتقدة تنتقل حرارتها إلى ما جاورها، وهكذا إذا كان العبد في وسط صحبةٍ مجتهدة في العبادة، متحفظة في كلامها ومنطقها، حريصة على إتمام مناسكها كان كذلك، وإذا صحب المتهاونين المتساهلين الخائضين في الأعراض انتقلت العدوى إليه منهم؛ فلا تعجب إذا رأيتهم أيام مِنى في المخيمات، يشربون الدخان أو يلعبون الورق أو يضيعون الأوقات على الفيس، ومواقع الإنترنت! وغير ذلك، وصدق مَن قال: "قل لي مَن صاحبك؟ أقل لك مَن أنت"، فالطيور على أشكالها تقع.

علمني الحج: الحرص على اتباع السُّنة (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (النور:54)، (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف:158)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِتَأخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ) (رواه مسلم)، فحجته -صلى الله عليه وسلم- تامة مفصَّلة في كتب السُّنة كما في حديث جابر -رضي الله عنه-.

وبقدر حرص العبد على التأسي تكون الهداية والرحمة ويعظم الأجر؛ ليس فقط أن يأتي العبد بأركان الحج وواجباته، بل ويحرص على السنن الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدر الاستطاعة؛ لتكون حجته تامة تامة.

هذا وإننا لنلحظ هذه الأيام تساهلًا وتهاونًا مِن الكثيرين ليس له مبرر: فيتركون النزول بمِنى يوم التروية، ويبحثون عن المجزئ في المبيت بها أيام التشريق، بل ووصل الحال بالبعض إلى التهاون بالواجبات، فيدفع مِن مزدلفة بعد منتصف الليل، وليس هو مِن الضعفة أو العجزة؛ فيعرض حجه للنقصان!

ويتعمد البعض ترك الترتيب بيْن أعمال يوم النحر مرددين: "افعل ولا حرج"، وليس هناك حاجة، ولا داع لذلك!

ولهؤلاء وغيرهم... نقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) (الأحزاب:21)، فاحذروا مِن التهاون والإعراض عن السنن؛ فلربما أدى ذلك إلى بطلان النُّسك أو -على الأقل- فوات أجر العبد، وهو في أمس الحاجة إليه.

علمني الحج: ضبط النفس وترويضها على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وحسن الخُلُق، فبمجرد الإحرام تحرُم على العبد أمور كانت حلالًا له قبْل ذلك، ويظل منتبهًا طيلة أيام الحج ما دام محرمًا خشية الوقوع في شيءٍ مِن المحظورات حتى وجدنا بعضهم يسأل: هل يجوز شرب الشاي وفيه نبات النعناع للمحرم؟ وهل يجوز تسريح الشعر؟ ونحو ذلك مِن الأسئلة التي تدل على التحفظ والتحرز مِن المخالفة؛ فضلًا عن النواهي الصريحة والمباشِرة (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة:197).

وهذا الضبط للنفس هو عينه الذي طُلب مِن العبد حال حياته، أن يحبس نفسه على طاعة الله امتثالًا وعن نواهيه اجتنابًا، فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهي كإحرامٍ كبير يعيشه العبد، ويكون تحلله منه عند الموت "فكل خارج مِن الدنيا: إما متخلص مِن الحبس، وإما ذاهب إلى الحبس" كما قال ابن القيم -رحمه الله-، فمَن حَبس نفسه على طاعة الله وعن معاصيه يخرج إلى أطيب فضاء وأوسعه، ومَن لم يفعل فإنه ينتقل إلى أضيق الحبس وأشده -عياذًا بالله تعالى-.

كذلك حُسن الخُلُق، والصبر على أذى الناس... فهذا التجمع الذي لا مثل له لا بد وأن يصدر فيه مِن البعض شيء مِن الإيذاء، ربما لا يكون متعمدًا فيقابل ذلك الحاج بالصبر وحسن الخلق، ولا يرد الإساءة بمثلها؛ حرصًا على قبول نُسكه، كالصائم تمامًا (فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ) (متفق عليه)، فكذا الحاج.

علمني الحج: ترك الغلو والوقوف عند الأمر، والإتيان به على صورته، فلما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن عباس -رضي الله عنهما- بلقط الجمرات وأتاه بها، قال: (بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وهي حصى صغار كحصى الخذف، فعلى العبد أن يستصحب هذا المعنى في حياته، فلا يشدد على نفسه فيلزمها بما لم يأتِ به الشرع، كالثلاثة الذين تقالوا عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فأراد أحدهم أن يصوم ولا يفطر، والثاني أن يقوم ولا ينام، والثالث لا يتزوج النساء، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وقال: (أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (متفق عليه)، فهذا الدين يسر، وشريعتنا شريعة سمحة، لكن بما جاء مِن أحكامها، وليس حسب هوى البشر.

علمني الحج: أهمية العلم، وعظم شأن العلماء في حياتنا، فلا يمكن للعبد أن يؤدي المناسك صحيحة إلا بالتعلم، وسؤال أهل العلم وصحبتهم؛ فوجب على العبد أن يتعلم قبْل أن يُقدِم على العبادة، ويحرص على سؤال أهل العلم فيما أُشكل عليه.

قال الله -تعالى-: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل:43)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال: (أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)؛ ولذا فالهجمة شرسة خاصة في الفترة الأخيرة على رموزنا وعلمائنا؛ الذين هم مصابيح الدجى ومنارات الهدى.

ولما أدرك اليهود -لعنهم الله- خطر العلماء، قالوا: "وقد عنينا عناية عظيمة بالحط مِن كرامة رجال الدين في أعين الناس، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبة كئودًا في طريقنا، وإن نفوذ رجال الدين على الناس يتضاءل يومًا فيومًا!"، كما في مخططاتهم!

نسأل الله أن يقينا شرهم، وأن يبارك في علمائنا الربانيين.

وبعد:

فدروس الحج كثيرة، وعِبَره غزيرة... وإنه لحقيق أن يتوقف العبد معها ويستصحبها في حياته ليكون الحج في حقه بالفعل ميلادًا جديدًا، وليحصِّل أعظم الاستفادة مِن هذه الرحلة المباركة، والتي ربما لا تتكرر في العمر إلا مرة، ولا يكتمل دين العبد إلا بها.

ولينظر كل حاج فيما حصل مِن هذه الرحلة، وما أوجه التغيير في حياته بعد عودته منها، فإن مِن علامات الحج المبرور أن يكون العبد بعد حجه أفضل مما كان قبله، وأن يكون سريعًا إلى امتثال أوامر الله متحفظًا عن نواهيه.

نسأل الله أن يرزقنا حجًّا مبرورًا، وأن يتابع لنا بيْن الحج والعمرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.