إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 04 أكتوبر 2017 - 14 محرم 1439هـ

وقفات... !

كتبه/ أحمد حمدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن أعظم أسباب السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة أن يقف العبد مع نفسه، وأن يحاسبها لله -عز وجل-؛ هل يرضى الوظيفة التي خلقه الله -عز وجل- مِن أجلها، مِن عبادة الله وحده؟!

وهل يطلب الغاية التي ينبغي علي المؤمن أن يسعي إليها؟! وهي الوصول إلى رضا الله -عز وجل-، كما قال الله -تعالى-: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى . إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (الليل:19-20)، فالمؤمن يعرف الوظيفة، ويعرف الغاية؛ فهو يعرف أنه خُلق مِن أجل عبادة الله -عز وجل-، وغايته رضا الله -عز وجل- ودخول جنته، والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم.

ومِن أجل تلك الغاية كانت هذه الوقفات:

(الوقفة الأولى): وقفة مع عامٍ هجري:

- وقفة مع نهاية عامٍ هجري، فإنما المهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه، وقفة بالندم والمحاسبة للنفس على التقصير والتفريط في جنب الله -عز وجل-.

- وقفة مع بداية عامٍ هجري جديد، نبدأه بصفحةٍ بيضاء مع الله -تعالى-، بالتوبة النصوح والإقلاع عن الذنوب والمعاصي، والندم والعزم الأكيد على عدم العودة إليها، قال الله -تعالى-: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) (الفرقان:27).

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يوم نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي!"، وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "حاسبوا أنفسكم قبْل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبْل أن توزنوا، وتوبوا قبل ألا تتوبوا، وتزينوا ليوم العرض الأكبر"، وقال الله -تعالى-: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة:18).

(الوقفة الثانية): وقفه مع شهر الله المحرم:

- قال الله -تعالى-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) (التوبة:36)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحَجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) (متفق عليه).

- وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "اختار الله أربعة أشهر جعلهن حرمًا، وعظم حرمتهن وجعل الذنب فيهن أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم"، وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "إن الله افتتح السَّنة بشهرٍ حرام، وختمها بشهرٍ حرام؛ فليس شهر في السَّنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله مِن المحرم".

فيا أخي الحبيب... لا تظلم نفسك في هذا الشهر المبارك، بالتفريط في جنب الله -عز وجل-.

(الوقفة الثالثة): فضل صيام شهر الله المحرم:

- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ) (رواه مسلم)، فأفضل صيام التطوع المطلق يكون في شهر المحرم ذلك الشهر الذي أضيف إلى الله -عز وجل؛ لشرفه وفضله، فإنه لا يضاف إلى الله إلا خواص مخلوقاته، ولما كان هذا الشهر مختصًا بإضافته إلى الله -عز وجل-، وكان الصيام مِن بيْن الأعمال مضافًا إلى الله -عز وجل- كما قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ،) (متفق عليه) - ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه وهو الصيام، فشهر الله المحرم، شهر مبارك ميمون، والصوم فيه مضاعف مسنون، ثواب صائمه لوجه الله في الخلد عند مليكه مخزون.

- فيا أخي الحبيب... احرص على الإكثار مِن الصيام في شهر الله المحرم، فإن الصيام مِن أعظم العبادات التي يُتقرب بها إلى الله، فلا تكاد تعدلها عبادة أخرى، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه-: (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

- والصيام أيضًا مِن أعظم أسباب النجاة مِن النار، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ) (رواه أحمد وحسنه الألباني)، وقال أيضًا: (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال جابر -رضي الله عنه-: "إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك، ودع أذي الآخرين، وليكن عليه وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".

يوم عاشوراء:

- وأفضل الصيام في هذا الشهر هو "يوم عاشوراء"، فعن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: (يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ) (رواه مسلم)، وسُئل ابن عباس -رضي الله عنهما- عن صيام يوم عاشوراء فقال: "مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الْأَيَّامِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ" (متفق عليه).

- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: : لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ)، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. (رواه مسلم)، ففي هذا اليوم أظهر الله موسى -عليه السلام- على فرعون، قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء:61-62)، وهنا يتبين لنا ثقة موسى -عليه السلام- بالله وتفويض الأمر لله، وحق التوكل عليه، واليقين في نصره حتى لو يأس مِن الأسباب.

- ويستحب الجمع بيْن صيام يوم عاشوراء ويوم تاسوعاء؛ مخالفة لأهل الكتاب، فإنهم كانوا يصومون يوم عاشوراء فقط، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. (رواه مسلم).

- وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: "أدناها أن يُصام العاشر وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والعاشر والحادي عشر" (فتح الباري).

واعلم أخي الحبيب أن في صيام يوم التاسع والعاشر مِن شهر المحرم دروس وفوائد عظيمة، منها:

1- أن المؤمنين مِن كل جيل أمة واحدة في المحبة الولاء، فنحن أولى بموسي مِن اليهود، ونحن براء مِن فرعون وإن كان مِن وطننا، قال الله -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: الْمُوَالَاةُ فِي اللهِ وَالْمُعَادَاةُ فِي اللهِ, وَالْحُبُّ فِي اللهِ, وَالْبُغْضُ فِي اللهِ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

2- حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على مخالفة أهل الكتاب حتى تيقنوا هم ذلك، قال يهود المدينة: "مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ" (رواه مسلم)، وذلك امتثالًا مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله -تعالى-: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة:48)، فالمسلم له عيدان فقط "الفطر والأضحى".

والعيد مِن شعائر الدين، ومِن معالم الهوية الإسلامية؛ فلا يجوز للمسلم أن يشارك غير المسلمين لا بتهنئةٍ ولا هديةٍ على العيد، ولا بحضور، قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) (الفرقان:72), قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الزور: أعياد المشركين"؛ ولذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

(الوقفة الرابعة): التحذير مِن الشيعة وبدعهم:

- ما يفعله الشيعة "أعداء الصحابة، الطاعنين في عرض أمهات المؤمنين!" في يوم عاشوراء مِن النياحة واللطم، وضرب الرؤوس والصدور بالسيوف، وغيرها؛ إظهارًا للحزن على موت الحسين -رضي الله عنه- في كربلاء بالعراق، مِن البدع الشنيعة.