إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 01 أكتوبر 2017 - 11 محرم 1439هـ

الملاحدة ومحاولة إثبات وجود الله علميًّا

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيزعم الملحدون أنهم لا يتكلمون إلا بدليلٍ علمي، وذلك حتى يلبس الملحد حديثه ثوب المهابة، ويُنظر إليه نظرة الإكبار؛ ولذلك عندما تتحدث مع أحدهم على الأدلة المتضافرة على وجود الله -تعالى-؛ يفاجئك بسؤال -وكأنه لم يستمع إلى كلامك!- فيقول: ما هو دليلكم على إثبات وجود الإله؟!

هكذا يسأل سؤالًا مطلقًا!

والسؤال بهذه الطريقة يدل على أن السائل مخادِع ومراوغ، أو أنه جاهل؛ لأن الأدلة مراتب، فإن كان لا يَعلم ذلك؛ فهذا جهل عظيم، وإن كان لا يجهل؛ فهو مخادع مراوغ.

إذن فما هي مراتب الأدلة؟!

مراتب الأدلة أربعة:

1- الدليل الرياضي: وهو مِن أقوى الأدلة بعد دليل الفطرة، لكن الملحد لا يقر بدليل الفطرة، والدليل الرياضي مِن أقوى الأدلة؛ لأنه مبني على الأسس العقلية الثابتة ذاتيًّا، مثل: "الاثنين أكبر مِن الواحد"، لا يرتبط اعتقادنا فيه بالتجربة والإحساس، بل إننا لسنا مستعدين للاستماع إلى أي شاهدٍ عكسي، ولن نصدق لو قيل لنا: إن الواحد أكبر مِن الاثنين.

2- الدليل العقلي: يليه في القوة، وأخذ قوته؛ لأن العقل هو الأساس الحاكم الذي تُبنى عليه كل العلوم؛ فهو بمثابة البرهان، فالدليل العقلي هو الدليل الذي يعتمد لإثبات واقع موضوعي في العالم الخارجي على معلوماتٍ عقلية، وهذا لا يعني بالضرورة أن الدليل العقلي لا يعتمد على معلوماتٍ حسية أو استقرائية، وإنما يعني أنه لا يكتفي بها، بل يعتمد إلى جانب هذا -أو بصورة مستقلة عن ذلك- على معلوماتٍ عقلية أخرى في إطار الاستدلال على القضية التي يريد إثباتها.

3- الدليل الحسي: وهو مِن مسماه مبني على الحواس الخمس: "السمع - البصر - الشم - اللمس - التذوق"، وضعف هذا الدليل؛ لأنه محدود ويسهل خداعه كظاهرة السراب، والخداع البصري؛ فهو عرضة للصواب والخطأ، أما العقل فهو الذي يصوبه ويعيده إلى رشده.

4- الدليل العلمي التجريبي: هو الدليل الذي يستعمل في مجال العلوم الطبيعية، ويعتمد على المعلومات التي يمكن إثباتها بالحس أو الاستقراء العلمي، إضافة إلى مبادئ الدليل الرياضي، مع التنبه إلى أن هناك علومًا كثيرة لا مجال للتجرِبة فيها، أو تندر التجربة فيها؛ فأين التجربة في علم اللغة والأدب؟ وأين التجربة في علم التاريخ؟ وأين التجربة في علم المنطق؟ هذا يحتاج إلى وثائق وآثار.

وعند التأمل في هذه المراتب مِن الأدلة يتبين أن سؤال الملحد عن دليل وجود الإله يَقصد به الدليل العلمي التجريبي، والسؤال الآن: هل يستطيع العلم التجريبي أن يجيب على هذا السؤال؟ هذا ما سيجيب عليه أئمة الملحدين أنفسهم.

- قال "بيتر مدوًر" -الحائز على جائزة "نوبل" في الطب- في كتابه: "نصيحة لعالم صغير": "لا شك أن للعلم حدودًا لا يستطيع تجاوزها، فالعلم لا يستطيع الإجابة على الأسئلة البدهية التي يطرحها علينا أطفالنا: كيف بدأ هذا الوجود؟ كيف جئنا إلى هنا؟ ما الغرض مِن حياتنا؟ وغيرها كثير!".

- وقال "فرانسيس كولنز" -عالم جينات- رئيس أكبر مشروع بيولوجي، ويسمي (Human genome project): "لماذا نحن جميعا هنا؟ لماذا لا يوجد شيء مِن لا شيء؟هل هناك إله؟ أليس مِن الواضح أن هذه الأسئلة، أسئلة علمية، والعلم ليس لديه الكثير ليدلي به في هذا الخصوص؟!".

- وقال "برتراند راسل" في مقدمة كتابه: "تاريخ الفلسفة الغربية": "إن أكثر الأسئلة أهمية وإثارة للعقول النيرة، تقع خارج دائرة العلم!".

- وقال "لورانس كراوس" -بروفيسور ملحد-: "لا أستطيع أن أثبت أن الله غير موجود!".

مما سبق يتبين أن العلم التجريبي لا يمكن وحده أن ينفي وجود الخالق أو يثبت وجوده؛ لأن العلم التجريبي علم مادي ليس له القدرة أن يبحث عن ذات الإله ولا عن صفاته؛ لأن الله خارج الوجود المادي، فلا يمكن تطبيق معايير العلم التجريبي عليه.

وهذا الذي حدا بإمام ملاحدة العصر "ريتشارد دوكينز" أن يقول: "إن العلم التجريبي لا يستطيع أن يجيب على كل الأسئلة".

وهو يريد بخبث طوية أن يقول إذا كان العلم كذلك فمِن باب أولى الدين، ولكن هيهات؛ فإن ذلك الأمر لا يثبت، ولا يستطيع أحد معرفته إلا عن طريق الوحي، ومِن هنا نخلص إلى أن إثبات وجود الله -تعالى- لا مجال للدليل العلمي التجريبي فيه، بل ذلك مجاله: "الفطرة، ثم العقل والحس".

والحمد لله رب العالمين.