إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 27 سبتمبر 2017 - 7 محرم 1439هـ

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (15) تكملة لبعض أحكام عقد الأمان (6)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ورد في "الموسوعة الفقهية الكويتية" مختصر في أحكام الأمان في المذاهب المختلفة؛ فنُحِبُّ أن نستَعرِضه استكمالًا للفائدة.

قالوا تحت عنوان: "مشروعية الأمان والحكمة فيها":

"الأصل في مشروعية أمان المستأمن، قوله -تعالى-: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى? يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة:6)، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ) (متفق عليه).

وأما الحكمة في مشروعيته كما نص عليها النووي -رحمه الله-: قد تقتضي المصلحة الأمان؛ لاستمالة الكافر إلى الإسلام، أو إراحة الجيش، أو ترتيب أمرهم، أو للحاجة إلى دخول الكفار، أو لمكيدة وغيرها.

حكم طلب الأمان أو إعطائه للمستأمن:

إعطاء الأمان للمستأمن أو طلبه للأمان مباح، وقد يكون حرامًا أو مكروهًا.

وبالأمان يثبت للمستأمن: الأمن عن القتل، والسبي، وغنم المال؛ فيحرم على المسلمين قتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، واغتنام أموالهم. "ملاحظة: قد سبق بيان أنه إذا طلب الكافر الأمان ليسمع القرآن ويتعلم الدين وجب تأمينه".

مَن يحق له إعطاء الأمان للمستأمن:

الأمان إما أن يكون مِن الإمام أو نائبه، أو مِن الأمير، أو مِن آحاد المسلمين وعامتهم.

أولًا: أمان الإمام أو نائبه: لا خلاف بيْن الفقهاء في أنه يصح أمان الإمام أو نائبه لجميع الكفار وآحادهم؛ لأن ولايته عامة على المسلمين؛ فيجوز له أن يعطي الكفار الأمان على أنفسهم وأموالهم، لمصلحة اقتضته تعود على المسلمين، لا لغير مصلحة.

ثانيًا: أمان الأمير: نص الحنابلة على أنه يصح أمان الأمير لأهل بلدة جُعِلَ بإزائهم -أي ولي قتالهم-؛ لأن له الولاية عليهم فقط، وأما في حق غيرهم فهو كآحاد الرعية المسلمين؛ لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم.

ثالثًا: أمان آحاد الرعية: ذهب المالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة، إلى أنه يصح أمان آحاد الرعية بشروطه، لواحد، وعشرة، وقافلة وحصن صغيرين عُرْفًا -كمائة فأقل-؛ لأن عمر -رضي الله تعالى عنه- أجاز أمان العبد لأهل الحصن.

ولا يصح أمان آحاد الرعية لأهل بلدة كبيرة، ولا رستاق، ولا جمعٍ كبير، لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد، والافتيات على الإمام.

قال المالكية: إن أَمَّنَ غيرُ الإمام إقليمًا -أي عددًا غير محصور-، أو أَمَّنَ عددًا محصورًا بعد فتح البلد: نَظَرَ الإمام في ذلك، فإن كان صوابًا أبقاه؛ وإلا رَدَّهُ.

وقال النووي -رحمه الله-: وضابطه ألا ينسد باب الجهاد في تلك الناحية؛ فاذا تَأَتَّى الجهادُ بغير تَعَرُّضٍ لمن أَمَّن، نفذ الأمان؛ لأن الجهاد شعار الدين، وهو مِن أعظم مكاسب المسلمين.

وفي مقابل الأصح للشافعية: لا يجوز أمان واحدٍ لأهل قريةٍ وإن قَلَّ عدد من فيها.

وذهب الحنفية إلى أنه يصح الأمان مِن الواحد، سواء أَمَّنَ جماعةً كثيرةً أو قليلة، أو أهل مصرٍ أو قرية، وعبارة "فتح القدير": أو أهل حصن أو مدينة.

ما يترتب على إعطاء الأمان:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا وقع الأمان مِن الإمام -أو مِن غيره بشروطه- وجب على المسلمين جميعًا الوفاء به؛ فلا يجوز قتلهم، ولا أَسْرُهم، ولا أخْذُ شيءٍ مِن أموالهم، ولا التَعَرُّض لهم -لعصمتهم-، ولا أَذِيَّتُهم بغير وجهٍ شرعيّ.

وأما سِرَايَةُ حكم الأمان إلى غير مُؤَمَّن مِن أهل ومال:

فقد نص الحنابلة، والشافعية في مقابل الأصح، على أنه: إذا أُمِّن مَن يصح أمانه: سرى الأمان إلى مَن معه مِن أهل، وما معه مِن مال، إلا أن يقول مؤمِّنُه: آمنتك وحدَك، ونحوه، مما يقتضي تخصيصه بالأمان؛ فيختص به.

هذا بالنسبة لأهله وماله في دار الإسلام، وأما مَن كان منهم في دار الحرب، فلا يسري إليه الأمان جزمًا عند الشافعية.

وذهب الشافعية في الأصح، إلى أنه لا يسري الأمان إلى مَن معه مِن أهل، وما معه مال إلا بالشرط؛ لقصور اللفظ عن العموم، وزاد الشافعية فقالوا: المراد بما معه مِن ماله: غير المحتاج إليه مدة أمانه، أما المحتاج إليه فيدخل ولو بلا شرط، ومِن ذلك ما يستعمله في حِرْفَتِه مِن الآلات، ومَرْكُوبِه إن لم يستغنِ عنه؛ هذا إذا أَمَّنَه غير الإمام؛ فإن أَمَّنَهُ الإمام دَخَلَ ما معه بلا شرط.

ولا يدخل ما خَلَّفَه بدار الحرب إلا بشرطٍ مِن الإمام، أما إذا كان الأمان للحربي بدارهم؛ فما كان مِن أهله وماله بدارهم دَخَلَ ولو بلا شرط إن أَمَّنَه الإمام، وإن أَمَّنَهُ غيره لم يدخل أهله ولا ما لا يحتاج إليه مِن ماله إلا بشرط، ولا فرق في ذلك بيْن ما معه مِن ماله أو مال غيره.

ما ينعقد به الأمان:

ذهب الفقهاء إلى أن الأمان ينعقد بكل لفظ يفيد الغرض، وهو اللفظ الدال على الأمان، نحو قول المقاتل مثلًا: "آمنتكم، أو: أنتم آمنون، أو: أعطيتكم الأمان، وما يجري هذا المجرى"، وزاد الحصكفي مِن الحنفية: وإن كان الكفار لا يعرفونه بعد معرفة المسلمين كون ذلك اللفظ أمانًا، بشرط سماع الكفار ذلك مِن المسلمين؛ فلا أمان لو كان بالبعد منهم.

كما ذهبوا إلى أنه يجوز الأمان بأي لغةٍ كان، بالصريح مِن اللفظ كقوله: أجرتك، أو: آمنتك، أو: أنت أمن. وبالكتابة كقوله: أنت على ما تحب، أو: كن كيف شئت، ونحوه. وزاد بعض الشافعية -كالرملي والشربيني الخطيب- اشتراط النية في الكناية.

ويجوز الأمان بالكتابة لأثر فيه عن عمر -رضي الله عنه-، وقال الشربيني الخطيب: ولا بد فيها مِن النية؛ لأنها كناية.

كما يجوز بالرسالة؛ لأنها أقوى مِن الكتابة، قال الشربيني: سواء كان الرسول مسلمًا أو كان كافرًا؛ لأن بناء الباب على التوسعة في حقن الدم.

وكذلك بإشارةٍ مفهمة، ولو مِن ناطق؛ لقول عمر -رضي الله تعالى عنه-: "والله لو أن أحدكم أشار بأصبعيه إلى السماء إلى مشرك فنَزَلَ بأمانه فقتله لقتلته به"؛ ولأن الحاجة داعية إلى الإشارة؛ لأن الغالب فيهم عدم فهم كلام المسلمين، وكذا العكس؛ فلو أشار مسلم لكافر فظن أنه آمنه فأنكر المسلم أنه آمنه بها فالقول قوله؛ لأنه أعلم بمراده، ولكن لا يُغتال، بل يُلحق بمأمنه، وإن مات المُشِيرُ قبْل أن يبين الحال؛ فلا أمان ولا اغتيال، فيبلغ المأمن.

ويصح إيجاب الأمان منجزًا، مثل قوله: "أنت آمن"، ومُعَلَّقًا بشرط، كقوله: "مَن فعل كذا فهو آمن"؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: "مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن".

وأما القبول فلا يشترط، وهو ما صَرَّحَ به البلقيني من الشافعية، فقال: إن الإمام الشافعي لم يعتبر القبول، وقال: وهو ما عليه السلف والخلف؛ لأن بناء الباب على التوسعة، فيكفي السكوت، ولكن يشترط مع السكوت ما يشعر بالقبول، وهو الكَفُّ عن القتال، كما صَرَّحَ به الماوردي، وتكفيه إشارة مفهمة للقبول، ولو مِن ناطق، قال الشربيني: إن محل الخلاف في اعتبار القبول إذا لم يسبق منه استيجاب، فإن سبق منه لم يحتج القبول جزمًا.

شرط إعطاء الأمان للمستأمن:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن شرط الأمان: انتفاء الضرر، ولو لم تظهر المصلحة. وقال الحنفية: يشترط في الأمان أن تكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين.

شروط المُؤَمِّن:

للمُؤَمِّن شروطٌ على النحو التالي:

الشرط الأول: "الإسلام": اتفق الفقهاء على أنه يشترط أن يكون الأمان مِن مسلم، فلا يصح مِن كافر، زاد الكاساني: وإن كان يقاتل مع المسلمين؛ لأنه مُتَّهَم في حق المسلمين، فلا تؤمن خيانته؛ ولأنه إذا كان مُتَّهَمًا فلا يدري أنه بنى أمانه على مراعاة مصلحة المسلمين مِن التفرق عن حال القوة والضعف أم لا؟ فيقع الشك في وجود شرط الصحة، فلا يصح مع الشك، ونصوا على أنه لا يجوز أمان غير المسلم ولو كان ذِمِّيًّا، واستدلوا بقوله -عليه الصلاة والسلام-: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ).

ووجه الاستدلال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل الذمة للمسلمين، فلا تحصل بغيرهم؛ ولأن كفره يحمله على سوء الظن؛ ولأنه مُتَّهَمٌ على الإسلام وأهله، فأشبه الحَرْبِيّ، ولأنه كافر، فلا ولاية له على المسلمين، وزاد الحنفية: إلا إذا أَمَرَه به مسلم، سواء كان الآمر أمير العسكر أو رجلًا مِن المسلمين، بأن قال المسلم للذِمِّيّ: آمنهم. فقال الذِمِّيّ: قد آمنتكم؛ لأن أمان الذِمِّيّ إنما لا يصح لتُهْمَةِ مَيْلِه إليهم، وتزول التهمة إذا أَمَرَهُ به مسلم، وكذلك إذا قال الذِمِّيّ: إن فلانًا المسلم قد آمنكم؛ لأنه صار مالكًا للأمان بهذا الأمر، فيكون فيه بمنزلة مسلم آخر" (انتهى مِن الموسوعة الفقهية الكويتية).

واستكمال شروط المؤمِّن في مقالٍ قادمٍ -إن شاء الله-.