إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 21 سبتمبر 2017 - 1 محرم 1439هـ

محاولات طمس الحق!

كتبه/ رجب أبو بسيسة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمحاولات طمس الحق وإضعافه، محاولات مستميتة، وحتى نحافِظ على بقاء الحق وظهوره لا بد مِن مزاحمة، والمزاحمة تحتاج إلى انضباطٍ في النية، وانحياز للدليل الشرعي، ومراعاة المصالح، وضبط الحذر وبث روح الأمل، وهذا كله لا يأتي إلا بأمرين: "علم بالشرع، وعلم بالواقع"، كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "الدين يُقام على ساقين: ساق الشريعة، وساق فقه الواقع".

وعدم تحقيق العلم الشرعي يؤدي إلى الذوبان، وضعف التمايز في الطرح والأسلوب، ويؤدي إلى انحرافٍ عن المسار؛ إذ كيف بطالب الحق لا يعرف الحق وأدلته؟! وكيف يصابر ويرابط عليه وهو جاهل به؟!

لذا نقول: إن معرفة المنهج وتفاصيله تساعد، وتثبت في مواجهة التحديات والعقبات، والمستجدات.

وكذلك تجاهل الواقع، وعدم التعرف عليه جيدًا؛ ربما أدى إلى تشويه صورة الحق، وتوهم أمور غير حقيقية، وفي هذه الحالة تكون المزاحمة ضررها أكثر مِن نفعها، وتؤخر ولا تقدم، وتفسد ولا تصلح.

فمِن أقوى أسباب انتصار الحق وظهوره: قراءة الواقع قراءة جيدة ومستفيضة، وهو أمر، الشريعة الذي أمرتْ به، ثم تأمل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قال لعائشة -رضي الله عنها-: (يَا عَائِشَةُ، لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ) (متفق عليه).

وفقه الواقع يشبه الحواس، فمَن فقده كان كمَن فقد إحدى حواسه: كالسمع والبصر، وهنا يتأكد دور العلماء وورثة الأنبياء، قال الله -تعالى-: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء:83)، وقال -تعالى-: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:115).

ولماذا الرجوع للعلماء؟!

لأن العلماء عن بصيرة تكلموا، وعن فهم للواقع أفتوا، ووجهوا ونصحوا.

ونخلص إلى عدة أمور تساعد على تثبيت الحق، ورده إلى نصابه الطبيعي:

أولها: اليقظة والوعي في هذه المرحلة الدقيقة مِن عمر الأمة؛ فاحذر أن تقدم على شيءٍ دون تفكيرٍ عميق، وفهمٍ دقيق، واستشارة واستخارة، وصدق مَن قال: "لا تقل مِن غير تفكير، ولا تعمل مِن غير تدبير"، فالخطأ سيكون تاريخيًّا، والنجاح كذلك.

ثانيها: الحذر مِن الاستعجال وحرق المراحل، والتفكير في المآلات وعواقب الأمور كثيرًا أمر في غاية الضرورة، ورحم الله عمر بن عبد العزيز حينما قال: "أخشى أن أفرضه كله فيردونه كله!"، وقانون التغيير البطيء، والتدرج والتأني أمر في غاية الأهمية، ولكن الإفراط مفسد، كما أن التفريط مضر جدًّا "وإن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى"، وليس المعنى أن نترك الفرض بحجة عدم الاستعجال، والمقصود هو التنبيه على مضرة الاندفاع والتهور، وهناك فرق بيْن الهداية والغواية، فقد قال موسى -عليه السلام- لرجل بني إسرائيل: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (القصص:18)، ولا شك أن موسى -عليه السلام- كان يريد نصرة الحق، ولكن قاتل الله التعجل والتهور.

ثالثها: الحكمة، وهي وضع الأمور في نصابها، وهذا يحتاج إلى قوة تركيز، وتواجد على الأرض بيْن الناس، ومعايشتهم، وتحليل مستمر للواقع، ورصد الظواهر والمستجدات؛ فأخطر الأمور: السطحية في التفكير، والانشغال بالمصالح المتوهمة، لكن صاحب الحكمة عقله راصد، وقلبه عامر، ومتغلغل بيْن الناس، ويرى ما لم يره الناس، وإذا أقبلت الفتنة عرفها وحذر منها، وأما غيره لا يعرفها إلا بعد ما يُفتن ويندم حيث لا ينفع الندم؛ فـ"إن الفتنة إذا أقبلتْ عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل!"، وصاحب الحكمة يعرف متى يتقدم، ومتى يقف وقوف المحارب المستعد غير المتراخي، ويعرف متى تملي عليه الحكمة أن يتراجع خطوة للوراء؛ ليقفز بعدها خطوات للأمام.

رابعها: عدم الانجرار إلى معارك جانبية تبعدنا عن المقصود، وأول مَن يخسر فيها نحن، وتؤخر انتصار الحق، وتضيع أوقات وطاقات ومساحات كان الأولى بنا ألا نقطعها ونقدم عليها، والعاقل يقصد البحر ويخلي القنوات، ومَن أراد شجرة فليفكر في الحديقة، فإن أتاها وجدها ممتلئة بالأشجار والثمار، وهناك عقدة إذا انحلت، انحل معها عقد كثيرة، وفي الحقيقة الباطل محترف في جر أصحاب الحق إلى معارك جانبية، وشغلهم بها، قال الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28)، وقال -تعالى-: (وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (يونس:89).

خامسها: قبول النقد والتفكر فيه، فإن كان حقـًّا قبلناه وعملنا به، وإن كان غير ذلك لا نعبأ به ولا نلتفت إليه، والأجمل مِن ذلك أن ننقد أنفسنا نقدًا ذاتيًّا وموضوعيًّا، فالنقد الذاتي البنَّاء علامة مِن علامات الصحة والفلاح، والنقد إعلان عن بقاء مَن يمثـِّل الصواب، والدعوات والمؤسسات لا تسقط عندما تخطئ، ولكن عندما يبرر الخطأ ويزين، ولا نريد أن نتعامل بنفسية أن كل مَن ينقد حاقد وحاسد ومريض، ولا يحب الخير لنا؛ فهذا يعني الاعتداد بالرأي، وأنني صواب دائمًا؛ فهذا ينافي طبيعة الإنسان، ويجعل الكثير يمتنعون عن تقديم النصح مخافة أن يُتهموا بالسوء والقصد السيئ، وما شابه ذلك، وهذا مفسدته عظيمة وعاقبته وخيمة، ومقدمة انهيار، ومِن كلام السلف: "رحم الله رجلًا أهدى إليَّ عيوبي".

سادسها: وإن كان الأصل أن يكون مقدمًا، ولكن التأخير مقصود، والسبب أننا نحتاج إلى ذلك الأمر المهم في أول الطريق، وأثناء السير، وفي نهايته؛ ألا وهو: طلب العون مِن الله دائمًا، والإنابة والافتقار إليه، والانطراح بيْن يديه، والتبرؤ مِن الحول والطول، وتجريد الإخلاص، وتحقيق الإيمان والتوحيد، والاتباع، ومراعاة نبل المقاصد، وشرف القضية والصبر عليها، وطول النفس وعدم الملل، قال الله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا) (السجدة:24)، وتأمل: (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)، وهذا لا يأتي إلا بعلم الشرع، وفقه الواقع.

وأخيرًا: الأمر إلى خيرٍ -بإذن الله تعالى-، ونحن عندنا أمل، وأنوار الرجاء تبدد ظلمات اليأس.

اللهم حبب إلينا الحق واجعلنا له منقادين، واجعلنا مِن العاملين المهتدين، والحمد لله رب العالمين.