إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 16 سبتمبر 2017 - 25 ذو الحجة 1438هـ

مُر عسل

كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه الفترة مِن عمر الأمة الإسلامية هي أصعب الفترات، حيث الضعف والضنك، والفقر والغلاء، وبُعد الأفراد والحكومات عن شريعة الله، والانغماس في الشهوات والملذات -إلا مَن رحم الله-، وتسلـُّط الأعداء مِن كل جانبٍ على هذه الأمة، وخاصة على فئة الشباب؛ لأنهم عصب الأمم، وأمل الأمم في الشباب أن يكون ملتزمًا بشريعة الله.

نعم، نحن نعيش في دار ابتلاء وامتحان في الدنيا، وهذه الدنيا مدرسة، ودار ممر وليستْ دار مقرٍّ؛ فعلى الجميع التسلح بالعبادة الجميلة، وهي الصبر، وقدوتنا في هذه العبادة وهذا الخُلُق الرفيع، وهذا الصرح المنيع هو رسولنا المكرم وأسوتنا المعظم -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد تحمَّل وصبر مِن أجل هداية الناس إلى الحق، واستعذب المُر، واستسهل الصعب، وتحمل أنواعًا مِن البلاء وأصنافًا مِن الضراء، حتى وصفه ربه بأنه ذو خُلُقٍ عظيم.

الصبرُ مثلُ اسمهِ مُـر مـذاقـه                        لكن عواقبه أحلى مِن الـعـسلِ

 إن الصبر ضرورة مِن ضروريات الحياة؛ فلا بد لكل إنسان في هذه الحياة مِن صبرٍ لتحصيل أسباب المعيشة.

واعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد بالشفاء؛ فالصبر وإن كان شاقـًّا فتحصيله ممكن، بمعجون الإيمان والعلم والعمل، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153).

أمر الله -تعالى- المؤمنين بالاستعانة على أمورهم الدينية والدنيوية بالصبر؛ لأن طبيعة الحياة الدنيا تقتضي الابتلاء؛ ولأن سعة الحياة الدنيا تقتضي أن نفعل أشياء على خلاف طباعنا، وتكاليف الله كلها تتناقض مع طبائع الإنسان؛ طبيعته تميل إلى الراحة وإلى أخذ المال، وإلى إطلاق البصر وإطلاق اللسان، والأوامر الإلهية تأمرك أن تغض بصرك، وأن تمسك لسانك، وأن تعطي وأن تفعل ما أمرك الله به.

والمعية في هذه الآية معية خاصة، غير المعية العامة في قوله -تعالى-: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (الحديد:4).

ولعلماء التفسير فهم دقيق جدًّا، هذه المعية غير هذه المعية، هذه معية خاصة وتلك معية عامة، المعية العامة لكل مخلوق بالعلم والقدرة، أما المعية الخاصة أي أن الله -عز وجل- معك بالرعاية، معك بالتوفيق، معك بالإرشاد، معك بالحفظ، معك يدافع عنك.

وإن العبدَ لا يستغني عن الصبرِ في كل حال مِن الأحوال:

1-‏ في الطاعات، فيحتاج العبد إلى الصبر عليها، خاصة عند تقدم العُمر.

2‏-‏ الصبر عن المعاصي، وما أحوج العبد إلى ذلك؛‏ خاصة في سـن الشباب, وقد انتشرت الفتن والشهوات وسهِّلت.

3‏- ما لا يدخل تحت الاختيار‏:‏ كالمصائب، مثل: موت الأحبة، وهلاك الأموال، وعمى العين، وزوال الصحة، وسائر أنواع البلاء؛ فالصبر على ذلك مِن أعلى المقامات؛ لأن سنده اليقين،‏ وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) (رواه البخاري).

وقريب مِن هذا القسم، الصبر على أذى الناس، كالذي يؤذي بقول أو فعل أو جناية على نفسه أو ماله، والصبر على أذى الناس مِن أعلى المراتب، قال الله -تعالى-: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (آل عمران:186).

والصبر على قسمين‏:

1-‏ بدني: كتحمل المشاق بالبدن، وكتعاطي الأعمال الشاقة مِن العبادات أو مِن غيرها‏.‏

2- الصبر النفساني على مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى، وهذا القِسْم: إن كان صبرًا عن شهوة البطن والفرج، سمِّي عفة، وإن كان الصبر في قتال، سمي شجاعة، وإن كان في كظم غيظ سمي حلمًا، وإن كان في نائبة مضجرة، سمي سعة صدر، وإن كان في إخفاء أمر سمي كتمان سر، وإن كان في فضول عيش سمي زهدًا، وإن كان صبرًا على قدرٍ يسيرٍ مِن الحظوظ سمِّي قناعة‏.

وقد ذكر الله -تعالى- الصبرَ في القرآن في نحوٍ مِن تسعين موضعًا، وأضاف إليه أكثر الخيرات والدرجات، وجعلها ثمرة له، قال الله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24)، فمَن أراد الإمامة فعليه بالصبر.

وقال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155)، أي بشرهم بأنهم يوفون أجورهم بغير حساب، فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة.

والأحاديث في فضائل الصبر كثيرة، منها‏:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم)، وقال: (وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) (متفق عليه).

ولهذه العبادة الجميلة آداب يجب التأدب بها:

- فمِن آداب الصبر: استعماله في أول صدمة، فإنما الصبر عند الصدمة الأولى.

- والاسترجاع عند المصيبة: لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ: (مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:156)، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا)، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. (رواه مسلم).

- وسكون الجوارح واللسان، فأما البكاء فجائز‏.‏

- قال بعض الحكماء‏:‏ "الجزع لا يرد الفائت، ولكن يسر الشامت!"‏.

والحمد لله رب العالمين.