إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 13 سبتمبر 2017 - 22 ذو الحجة 1438هـ

الملاحدة... وقصة الخلق (12)

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقالات السابقة بعض ما استند إليه أصحاب فرضية التطور الموجه مِن أدلة، وإليك باقي أدلتهم وبيان وجهها الصحيح.

الدليل الخامس: قوله -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:12-14).

يقول أحد أتباع فرضية التطور في بيان دلالة الآية: "تشير الآية إلى أن الإنسان لم يُخلق مِن الطين مباشرة، بل مِن سلالة خُلقت مِن طين، وهذه السلالة هي الكائنات الحية التي خُلقتْ مِن مادة الأرض، وتسلسل ظهورها حتى وصلنا إلى الإنسان".

ويتوسع في إيضاح موقفه فيقول: "تأمل هذه الآيات -آيات سورة المؤمنون- مع الأخذ في الاعتبار أن حرف العطف (ثُمَّ) يفيد التتابع مع التراخي، بالتالي نفهمه على أنه عطف يشير إلى الانتقال مِن نوعٍ مِن الكائنات إلى نوع آخر؛ إذ يستغرق ذلك وقتًا طويلاً قد يمتد إلى ملايين السنين، لكن الاستدلال بهذه الآيات على أن القرآن يدل على أن آدم -عليه السلام- مخلوق مِن مخلوقاتٍ سابقة عليه؛ بعيد كل البُعد عن مدلول الآية ومرادها؛ وذلك أن معنى السلالة مأخوذ مِن قولهم: سَلَّ الشيء، إذا انتزعه واستخرجه مِن غيره. والشيء المسلول هو: المنتزع مِن شيءٍ آخر.

والآية نصتْ على أن الإنسان مستل ومستخرج مِن الطين.

قال ابن جرير -رحمه الله- في بيان معنى الآية: "قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ): أسللناه منه، فالسلالة: هي المستلة مِن كلّ تربة، ولذلك كان آدم خُلق مِن تربةٍ أخذت مِن أديم الأرض".

فغاية ما تدل عليه الآية إذن هو: إثبات أن أصل خلقة بني آدم وابتداءها كانت مِن الطين، وهي متطابقة مع قوله -تعالى-: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (السجدة:?-?).

ثم إن ظاهر هذه الآية يتناقض تمام المناقضة مع تصور أتباع فرضية التطور الموجه؛ لأن تصورهم يقوم على أن آدم -عليه السلام- خُلق بطريق التطور عن كائناتٍ أخرى، وأنه مولود لأبوين سابقين عليه، والآية تدل على أن الله استله واستخرجه مِن الطين، وليس فيها ذكر لتلك الأنواع الأخرى التي يدّعون أنها أصل لآدم -عليه السلام-.

وما ذكروه لا يعدو أن يكون دعوى لا دليل عليها ولا برهان، ولو كان الإنسان مستلاً مِن حيواناتٍ أخرى سابقة عليه في الوجود، لأشار إليها القرآن "ولو مرة واحدة"، كما أشار مرارًا على استلاله مِن الطين والتراب.

وأما اعتمادهم على استعمال أداة (ثُمَّ) التي جاءتْ في شرح تطور الجنين في بطن أمه، ودعواه أنها تدل على تطور الخلق الإنساني عبْر الأنواع الحيوانية التي كانت قبله؛ فهو في غاية الشطط والتكلف؛ لأن الآية تتحدث عن خلق الإنسان في بطن أمه، وليس عن خلق أصل الإنسان وأوله الذي هو آدم -عليه السلام-.

ثم إنها سمّت المراحل التي تتعاقب على التراخي، وهي النطفة، والعلقة، والعظام، واكتساء العظام لحمًا، وهذه الأوصاف معلومة المعنى في العربية، وهي في الوقت نفسه لا تتطابق مع المراحل التي يذكرونها في تصور النوع الإنساني، فهل يقولون -مثلاً-: إن الإنسان كان في مرحلةٍ مِن مراحل خلقته عظامًا دون لحم، ثم تطور وتحصل على اللحم في طور آخر؟!

الدليل السادس: قوله -تعالى-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم) (التين:4).

يقولون في بيان استدلالهم بهذه الآية: جاء في معجم ألفاظ القرآن الكريم: "أن قوله: (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم) يعني كان معوجًا فقوّمه، فكلمة تقويم تعني تعديل وإزالة عوج". إذن يمكن أن نفهم مِن الآية الكريمة أن الإنسان لم يُخلق خلقًا مباشرًا على صورته، بل خُلق تعديلاً، ولا يكون التعديل إلا عن خلق سبقه!

وهم بذلك تركوا كل التفاسير المعتمدة عند أهل الاختصاص، واعتمدوا على معجم ألفاظ القرآن الكريم الذي أصدره مجمع اللغة العربية!

وهذا خلل منهجي ظاهر في التعامل مع تفسير القرآن الكريم؛ لأن فيه قفزًا للمصادر الأصلية، وانتقالاً إلى المصادر الثانوية التي لا تهتم بتحديد المراد مِن الآية بدقة، ونحن إذا رجعنا إلى كتب التفسير نجد أن المفسرين اختلفوا في معنى: (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم)، فقال أكثرهم: أي في أحسن صورة وأفضل شكل، وأعدل قامة، قاله ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وأبو العالية، ومجاهد، وغيرهم.

وقال بعضهم: أي إن الإنسان يبلغ في شبابه إلى أعلى قوة واعتدال، ثم ينحدر في شيخوخته إلى الضعف.

والصحيح "القول الأول"؛ قال ابن جرير -رحمه الله- في بيان وجه صحته: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يُقال: إن معنى ذلك: لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأعدلها؛ لأن قوله: (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم) إنما هو نعت لمحذوف، وهو في تقويم أحسن تقويم، فكأنه قيل: لقد خلقناه في تقويم أحسن تقويم".

ثم إن معنى تقويم في لغة العرب لا يلزم منه أن يكون الشيء معوجًا قبْل ذلك، وإنما يعني جعل الشيء في قَوام، أي في اعتدال واستقامة وكمال،

قال ابن فارس: "(قَوَمَ) الْقَافُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، يَدُلُّ أَحَدَهُمَا عَلَى جَمَاعَةِ نَاسٍ، وَرُبَّمَا اسْتُعِيرَ فِي غَيْرِهِمْ. وَالْآخَرُ عَلَى انْتِصَابٍ أَوْ عَزْمٍ" (مقاييس اللغة)؛ ولأجل هذا توارد جمهور المفسرين على تفسير الآية بكون الإنسان خُلق في أحسن صورةٍ، واعتدال وانتصاب، ولم يذكر أحدٌ منهم أن لازم ذلك أن أصله كان غير ذلك.

وبذلك نكون قد أجبنا باختصار على الأسئلة الثلاثة: "خلق الكون، والحياة، والإنسان".

والحمد لله رب العالمين.