إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 05 سبتمبر 2017 - 14 ذو الحجة 1438هـ

صمتٌ جميل

كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء:114).

قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، ثم استثنى -تعالى- فقال: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) مِن مال أو علم أو أي نفع كان (أَوْ مَعْرُوفٍ)، وهو الإحسان والطاعة، وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه، وإذا أطلق الأمر بالمعروف مِن غير أن يقرن بالنهي عن المنكر دخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات مِن المعروف، وأيضًا لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر، وأما عند الاقتران فيفسر المعروف بفعل المأمور، والمنكر بترك المنهي.

والدعوة إلى الله مِن أعظم المعروف، والدعوة إلى الله جزءٌ مِن حياة المسلم اليومية في بيته ومع أسرته، وفي عمله وطريقه، ومع زملائه وفي جميع أحواله، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33).

وإن مِن أعظم وسائل الدعوة إلى الله: السلوك العملي للداعية، وثبات المسلم على مبادئه وأخلاقه التي هذبه بها دينه الإسلامي, وإن العودة لما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وصحابته الكرام -رضوان الله عليهم- أجمعين، والتأسي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دعوته وأخلاقه؛ فهو القدوة لهذه البشرية.

إن الدعوة إلى الله تحتاج إلى إخلاص العمل لله -عز وجل-، وإصلاح النفس، وتهذيبها وتزكيتها، وأن يكون لدى الداعية فقه في الدعوة إلى الله وفق منهج الله الذي شرعه لعباده، لكن الناظر بعين الاعتبار في المجتمعات الإسلامية يجد غرابة شديدة، فظاهر الصبغة إسلامي حتى النخاع، وواقع الحال سُبات حتى النخاع، فأين أثر الدعاة الدائم على أفراد المجتمع المسلم؟ وهل المشكلة في الدعاة أم في المدعوين العامة؟

والحقيقة أن الناس لم يعودوا بحاجة إلى كثرة الكلام بقدر حاجتهم إلى قرآن يمشي على الأرض، وحاجتهم إلى أناسٍ تعيش مجتمعاتنا في رخاء وأمن اجتماعي بعيدًا عن النفاق والمكاسب الدنيوية والمصالح الشخصية.

 ويمكن القول بأن التجارة الرائجة في الوقت الحالي هي: القدوة السلوكية الصالحة التي تحكي حقيقة الدين بعفوية وإخلاص بعيدًا عن مظاهر التسميع والرياء؛ فلتكن أنتَ ما تدعو إليه، واجعل مَن يراك يتمنى أن يكون مثلك، ولا تحدثه عن الإيمان فقط، بل اجعله يستشعره مِن النور الذي يضيء وجهك، ولا تحثه على العبادة ودعه يراها أمام عينيه، ولا تدعوه لمكارم الأخلاق واجعله يحبها منك.

أهمية القدوة: نأخذها من النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة؛ هم بلَّغوا الناس بألسنتهم، وبلغوهم بأحوالهم، وتبليغهم بأحوالهم أبلغ مِن تبليغهم بألسنتهم، إذن هم دعوا إلى الله بأحوالهم؛ باستقامتهم، بصدقهم، بأمانتهم، بعفافهم، بإنجازهم للوعد، برحمتهم، بعفوهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

يمكن أن تكون أكبر داعيةٍ إلى الله، ويمكن أن تفعل فعلاً ما فعله أحد وأنت صامت، وأنت مطبقٌ شفتيك؛ لأن لغة العمل أبلغ مِن لغة القول، ولأن الناس يتعلَّمون بعيونهم ولا يتعلَّمون بآذانهم؛ لأن الناس يحتاجون إلى أن يروا مسلمًا متحرِّكًا يعيش معهم، يتأثَّر كما يتأثَّرون، لكنه انتصر على نفسه كما لم ينتصروا!

يريدون أناسًا يقطفون ثمار هذا الدين ولا يتحدثون عنه، الناس يريدون مجتمعًا إسلاميًّا فيه الصدق، والأمانة، والعفاف، والرحمة، واللطف، لن تتوسع دوائر الحق إلا بالتطبيق العملي, وكما قيل: "حال واحدٍ في ألف أبلغ مِن قول ألفٍ في واحد".

أول مزايا الدعوة الصامتة: أن الدعوة بالأحوال أبلغ مِن الدعوة بالأقوال، فكلٌ منَّا يستطيع أن ينمِّق الكلام، وأن يُدَبِّج المقال، وأن يحسن الحديث، وأن يتفوَّه بما لا يعتقد، وأن يفعل ما لا يقول، وهذه مشكلة المشكلات، وهذه معضلة المعضلات أن نقول ما لا نعتقد، وأن نفعل ما لا نقول، أيُّ إنسانٍ أوتي ذكاءً أو ثقافةً بإمكانه أن يتكلم كلامًا مقنعًا، ولكن الذي يهز ضمائرنا، ويثير حماسنا، ويشدُّنا إلى الدين أن نرى رجلاً يفعل ما يقول، ويقول ما يعتقد.

نريد أن نرى مسلمًا متحرِّكًا، كما قال بعض العلماء: "القرآن كونٌ ناطق، والكون قرآنٌ صامت، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قرآنٌ يمشي بيْن الناس!".

النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديبية، أمر أصحابه أن يتحللوا وأن يحلقوا، لكن ما الذي حصل؟ حينما خرج وتحلل، وحلق ونحر؛ تابعه أصحابه!

وهذه نقطة دقيقة جدًّا؛ هذا تعليمٌ بالأحوال لا بالأقوال.

ووالله الذي لا إله إلا هو، لو أن كل مسلمٍ ولو لم يكن داعيةً، ولو لم يكن محصلاً للعلم الشرعي الذي ينبغي أن يحصله الدعاة، ولو لم يكن طليق اللسان، يكفي أن يكون أمينًا وصادقًا، ووديعًا، ورحيمًا وليِّنًا ليفعل فيمن حوله فعل السحر، نحن بحاجةٍ إلى إنسانٍ يفعل، أكثر مما نحن محتاجون إلى إنسانٍ يقول!

وللدعوة الصامتة خصائص، منها:

1ـ أن تكون قدوةً وأسوةً لمَن حولك فقط، ما جربوا عليك كذبًا قط، ولا نفاقًا، ولا توانيًا، ولا تكاسلاً، ولا تقصيرًا، ولا إساءةً، ولا كلمةً بذيئة، القدوة والأسوة الحسنة هي أول مجالٍ مِن مجالات الدعوة الصامتة.

2ـ التفوق إذا تفوقت في مجال الحياة؛ تفوقت في علمك، في اختصاصك، في حرفتك، وكنت مسلمًا تصلي، ربط الناس بيْن تفوقك في الدنيا وبين دينك، إذا كنت متفوقًا وأنت في أعلى درجة، وأنت ملتزمٌ، الناس يربطون بيْن التفوق وبين الالتزام.

3ـ الإحسان إلى الناس، أن تكون هينًا لينًا، أن تكون معطاءً، أن تكون سمحًا، إحسانك إلى الناس دعوةٌ إلى الله، الإحسان قبْل البيان، القدوة قبْل الدعوة.

4ـ كظم الغيظ وعدم الانتقام، والتسامح حتى في حقك كداعية، كمواطن عادي لك أن تأخذ حقك، أما كداعية فإذا تسامحت في حقك، ورأى الناس تسامحك، ولينك أحبوك، قال الله -تعالى-: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت:34).

5ـ أنزلوا الناس منازلهم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ) (رواه مسلم).

مثال: إنسان متفوق في اختصاص؛ فناده بلقبه العلمي يصغي إليك، وإنسان عمل عملًا طيبًا؛ فأثنِ عليه؛ فهذا تمهيد إلى أن تملك قلبه، وهذا أيضًا مِن الدعوة الصامتة.

فإذا أحبك الناس استمعوا لك، وقَبِلوا ما تقول ووثقوا بك، وهذا أسلوب جميل يجذب قلوب البشر، وإحسان إليهم، والنفوس مجبولة على حب مَن أحسن إليها.

والحمد لله رب العالمين.