إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 24 أغسطس 2017 - 2 ذو الحجة 1438هـ

حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (2) في الطريق إلى مكة

كتبه/ رمضان النجدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه الحلقة الثانية مِن "حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها"، وقد ذكرتُ في الحلقة الماضية "الرسول في المدينة وذي الحليفة" أن الحجة المباركة 26 يومًا وليلة.

- يوم بالمدينة الجمعة 24 مِن ذي القعدة.

- ويوم بذي الحليفة السبت 25 مِن ذي القعدة.

وكانت قصتهم حلقتنا الماضية.

- وثمانية أيام مِن الأحد 26 ذي القعدة إلى الأحد 4 مِن ذي الحجة، قضاها النبي -صلى الله عليه وسلم- بيْن مكة والمدينة، وهي نص حديثنا الآتي:

في الطريق إلى مكة:

ركب النبي -صلى الله عليه وسلم- القصواء حتى إذا استوى عليها على البيداء حمد الله، وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، وكان تحركه -صلى الله عليه وسلم- ومَن معه يوم الأحد 26 مِن ذي القعدة بعد صلاة الظهر، مِن ميقات ذي الحليفة -ميقات أهل المدينة- المعروفة اليوم بـ"أبيار علي"، متوجهًا إلى مكة، وكان معه أبو بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-، وعدد لا يُحصى مِن الصحابة -رضي الله عنهم-؛ قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ" (رواه مسلم).   

يا الله! لقد خرجت بعض هذه الجموع يومًا قبْل عشر سنوات فقط كانت بغيتهم يومها قطف رأس المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لتنال جائزة أهل مكة، ولكنها اليوم تخرج يتوسطها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- تفديه بأنفسها وأموالها وأبنائها! (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21)

- لقد كانت راحلته -صلى الله عليه وسلم- عليها رث وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، ولما انبعثت به راحلته سبح وكبر وحمد الله، وقال: "لبيك حجة لا رياء فيها ولا سمعة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وكان ذلك بعد ما أهل في مصلاه بعد صلاة الظهر، ثم ركب على ناقته على رحل، لا في محمل ولا هودج، وأهل بالحج أيضًا، ثم أهل بالحج لما استقلت به على البيداء.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "وايم الله، لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء"، وقال أيضًا: "صلى رسول الله الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج".

وأما أصحابه -رضي الله عنهم- فقد قالت عائشة -رضي الله عنها-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ) (متفق عليه)، وهذا في بداية الأمر، وسيتغير هذا الأمر في الطريق.

- أما متاعه وزاده -صلى الله عليه وسلم-: فكان ما تحمله زاملة أبي بكر -رضي الله عنه-، فكانت زاملته -صلى الله عليه وسلم- وزاملة أبي بكر -رضي الله عنه- واحدة.

ثم سار -صلى الله عليه وسلم- تحيط به القلوب وترمقه المقل، وتفديه المهج؛ فهو معهم كواحد منهم، لم توطأ له المراكب، ولم تتقدمه المواكب ولم تشق له الطرقات، ولم تنصب له السرادقات، وإنما سار بيْن الناس، ليس له شارة تميزه عنهم إلا بهاء النبوة وجلال الرسالة، يسير معهم وفي غمارهم، قال أنس -رضي الله عنه-: "كنتُ ردف أبي طلحة على راحلته، وإن ركبته لتكاد تمس ركبة رسول الله، وهو يقول: لبيك حجة وعمرة".

- لقد كان الناس حوله كما قال جابر -رضي الله عنه-: "نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ" (رواه مسلم).

- تنزل عليه جبريل -عليه السلام- فقال: (يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)؛ فاهتزت الصحراء وتجاوبت الجبال بضجيج الملبين، وهتافهم بتوحيد رب العالمين: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك إله الحق، لبيك ذا المعارج، لبيك وسعديك، والخير في يديك والرغباء والعمل".

- زحفت تلك الجموع على هذه الحال؛ هتاف بالتلبية، وعجيج بالذكر، وإعلان بشعار الحج، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلبي والناس معه يزيدون فيها وينقصون، وهو يقرهم ولا ينكر عليهم؛ فقد جاء عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء مِن أنواع التلبية، فجاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك، مرغوبًا أو مرهوبًا، لبيك ذا النعماء والفضل الحسن"، وجاء عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كما في صحيح مسلم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد الله والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يلبي بهذا، ويزيد فيها: "لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل".

وروى أحمد وأبو داود في سننه عن يحيى بن سعيد عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ "ذَا الْمَعَارِجِ"، ويروى عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- كذلك أنه كان يقول في تلبيته: "لبيك حقًّا حقًّا، تعبدًا ورقًّا" ورواه الدارقطني في علـله، ورواه مرفوعًا وموقوفًا، ورجح وقفه.

فإذا لزم الحاج الملبي ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو أولى.

وقد بُحَّت أصوت الصحابة -رضي الله عنهم- مِن لزوم التلبية، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما بلغنا الروحاء حتى سمعتُ عامة الناس قد بحت أصواتهم مِن التلبية" (السنن الكبرى للبيهقي).

- وتلبي المرأة كالرجل بصوت تسمع مَن حولها مِن النساء، ولا ترفع صوتها عند الأجانب، فقد خرج معاوية ليلة النفر؛ فسمع صوت تلبية، فقال: مِن هذا؟ قالوا: عائشة اعتمرت مِن التنعيم، فذكر ذلك لعائشة، فقالت: لو سألني لأخبرته".

- وقد كان الطريق مِن المدينة إلى مكة يحسب قديمًا على عشر مراحل، أي كل مرحلة قرابة الخمسين كيلو، فيكثر التوقف في أماكن توفر الماء والعشب والشجر، وهي أشبه بالاستراحات اليوم، فسار النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الميقات حتى وصل إلى ملل -47 كم مِن المدينة- وصلى المغرب والعشاء فيها، ثم سار قليلًا وتعشى -صلى الله عليه وسلم-، والركب المبارك -رضي الله عنهم- بشرف السيالة، قالت عائشة: "أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحد بملل، ثم راح فتعشى بشرف السيالة، وصلى بالشرف المغرب والعشاء".

أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو يقطع هذه الفيافي الفساح، وكأنما جبالها وآكامها وأوديتها تروي له خبرها، وتحدثه بمَن مرَّ بها؛ فتراءت للرسول -صلى الله عليه وسلم- أطياف الأنبياء الذين ساروا يؤمون هذا البيت قبله، كأنما يراهم أمامه ويرافقهم في مسيره، فحكى -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه ومِن خلفهم أمته حج الأنبياء قبله، وكان يقص -صلى الله عليه وسلم- كلما مرَّ بمكانٍ مِن الأمكنة التي سار فيها الأنبياء قبله، وكانت البداية بالروحاء، وقد وصلها يوم الاثنين 27 مِن ذي القعدة، فقد سار ما يقارب 23 كم حتى وصل عرق الظبية، وصلى الفجر صباح يوم الاثنين هناك، ثم تقدم قليلًا -3 كم- حتى وصل منطقة الروحاء -والروحاء: قرية صغيرة على بعد 73 كم مِن المدينة على طريق مكة- وصلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في نهايتها، والآن الروحاء عُمرت بها منطقة تسمى المسيجد تقع بعدها بـ7 كم تقريبًا.

وبدأت حكاية حج الأنبياء:

قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَقَدْ مَرّ بِالرَّوْحَاءِ سَبْعُونَ نَبِيًّا، فِيْهِم نبيُّ اللهِ مُوسَى، حُفاةً، عَلَيْهِم العباءُ، يَؤُمّونَ بَيتَ اللهِ العتيق) (رواه أبو يعلى والطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره).

- وقد وقع بالروحاء عدة أمور: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالرَّوْحَاءِ، فَلَقِيَ رَكْبًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: (مَنِ الْقَوْمُ؟)، فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: فَمَنْ أَنْتُمْ؟، قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَفَزِعَتِ امْرَأَةٌ، فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ مِحَفَّتِهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

- ولما كانُوا بالرَّوحاء، إذا حمار وحش عقير، فذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: دعوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه، فجاء البهزي وهو صاحبه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! صلى الله عليك وسلم، شأنكم بهذا الحمار؟ فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر، فقسمه بيْن الرفاق، ثم مضى، ثم صلى العصر عند المنصرف -منصرف الروحاء-.

وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حِجَّتِهِ الَّتِي حَجَّهَا، فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ الرَّوْحَاءِ عَارَضَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امرأة لها صَبِيٌّ، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَقَفَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنِي فُلَانٌ، وَالَّذِي بعثك بالحق ما زال في حنق وَاحِدٍ مُنْذُ وَلَدْتُهُ إِلَى السَّاعَةِ، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا. فأكسع إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّحْلِ، ثُمَّ تَفَلَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِيهِ-، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ نَاوَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِيَّاهُ فَقَالَ: خُذِيهِ، فَلَنْ تَرَيْ مَعَهُ شَيْئًا يَرِيبُكِ بَعْدَ الْيَوْمِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-.

قَالَ أُسَامَةُ -رَضِيَ الله عَنْه-: وَقَضَيْنَا حِجَّتَنَا، ثُمَّ انْصَرَفْنَا، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِالرَّوْحَاءِ، فَإِذَا تِلْكَ الْمَرْأَةُ أُمُّ الصَّبِيِّ، فَجَاءَتْ وَمَعَهَا شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أُمُّ الصَّبِيِّ الَّذِي أَتَيْتُكَ بِهِ. قَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ شَيْئًا يَرِيبُنِي إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ.

قَالَ أُسَامَةُ -رَضِيَ الله عَنْه-: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا أُسَيْمُ -قَالَ الزُّهْرِيُّ: وهكذا كان يدعو به تحشمة- نَاوِلْنِي ذِرَاعَهَا، قَالَ: فَامْتَلَخْتُ الذراع فناولته إياها -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَكَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: يَا أُسَيْمُ نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، فَامْتَلَخْتُ الذراع فناولته إياها فَأَكَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ يَا أُسَيْمُ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قَدْ قُلْتَ نَاوِلْنِي، فَنَاوَلْتُكَهَا فَأَكَلْتَهَا، ثُمَّ قُلْتَ نَاوِلْنِي، فَنَاوَلْتُكَهَا فَأَكَلْتَهَا، ثُمَّ قُلْتَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، وَإِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانِ! فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَهْوَيْتَ إِلَيْهَا مَا زِلْتَ تَجِدُ فِيهَا ذِرَاعًا مَا قُلْتُ لَكَ" (أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العلية).

ثم صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- المغرب والعشاء بالمعشي وتناول طعام العشى به.

ودخل يوم الثلاثاء 28 ذي القعدة، فمضى حتى إذا كان بالأُثَايةِ بين الرُّويثَةِ والعَرْجِ "إذا ظبيٌ حَاقِفٌ في ظِلٍّ فيه سهم، فأمر رجلاً أن يقف عنده لا يَرِيبُه أحدٌ مِن الناس، حتى يُجاوِزوا" (رواه النسائي وصححه الألباني). ومعنى حَاقِفٌ: أي نائم قد انحنى مِن نومه.

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهدي له وشيقة، والوشيقة: وهي أن يؤخَذ اللحم, فيُغْلَى قليلاً ولا يُنْضَج، ويُحْمل في الأسفار, وقيل: هي القَديدُ.

- ولما أسفر عليه الصبح كان الركب المبارك وصل إلى منطقة العَرْجِ، ثم سار حتى إذا نزل بالعَرْجِ، وكانت زِمالتُه وزِمَالَةُ أبي بكر واحدة، وكانت مع غلام لأبى بكر، فجلس رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر إلى جانبه، وعائشةُ إلى جانبه الآخر، وأسماءُ زوجته إلى جانبه، وأبو بكر ينتظِر الغلام والزمالة، إذ طلع الغلام ليس معه البعير، فقال: أين بعيرُك؟ فقال: أضللتُه البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تُضِلُّه. قال: فَطفِق يضربُه ورسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يتبسَّم، ويقول: (انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وما يزيد رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- على أن يقول ذلك ويتبسم. "ومِن تراجم أبي داود على هذه القصة: باب المحرم يؤدب غلامه"، وفي رواية قال: "هون عليك يا أبا بكر، فإن الأمر ليس إليك، ولا إلينا معك".

وهذا درس عظيم أن يستحضر العبد عقيدة القضاء والقدر في أدق تفاصيل حياته اليومية، وهي والله عبادة تطمئن معها النفس، وينشرح الصدر ويزداد سكينة ويقينًا "هون عليك فإن الأمر ليس إليك، بل وإلى رسول الله!".

ودخل يوم الأربعاء 29 ذي القعدة، فنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الأربعاء السقيا، وهي ما تسمى اليوم -أم البرك-، وأصبح رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- في الأبواء، ولما كان رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- بالأبواء أهدى له الصَّعبُ بن جَثَّامَةَ عَجُزَ حِمَارٍ وحشىٍّ، فردَّه عليه، فقال: (إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلاَّ أَنَّا حُرُمٌ) (متفق عليه)، وفي الصحيحين: "أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا"، وفي لفظ لمسلم: "لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ".

- وفي هذا المكان احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وسط رأسه، فعن عَلقمةَ بنِ أبي علقمةَ عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ عنِ ابنِ بُحَيْنةَ -رضيَ اللهُ عنه- قال: "احْتَجَمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ" (رواه البخاري). قوله: (بِلَحْيِ جَمَلٍ): موضع بطريق مكة، وقد وقع مبينًا في رواية إسماعيل المذكورة "بِلَحْيِ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّة".

- واستكمل -صلى الله عليه وسلم- قصة حج الأنبياء؛ فبعد أن صلى في الجحفة وهو خارج منها، مر بوادي الأزرق -هو ما يسمَّى اليوم وادي القاحة، وهو ما يعرف بغران 87 ميلاً مِن المدينة- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّ وَادٍ هَذَا؟) فَقَالُوا: وَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي) (رواه مسلم).

- ولما مر بثنية قال: (أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟) قَالُوا: هَرْشَى -بالقرب مِن الجحفة-، فَقَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا) (رواه مسلم). وهذا طريق الأنبياء، وقد سماها الأقدمون درب الأنبياء.

- والله إنها لقصة عظيمة، مفادها أن دين الأنبياء واحد "وهو الإسلام": (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران:19)، فلم ينزل مِن السماء إلا الإسلام، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)؛ فهذا قضاء الله، وإن رغمت أنوف وبلبلت، وكذبت وادعت!

- ودخل يوم الخميس 1 ذي الحجة، وصلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى القاحة ثم وادي عسفان، ودخل هلال الشهر، وذي القعدة في هذا العام كان ناقصًا.

وبعسفان وقعت عدة مشاهد:

- قال أنس -رضي الله عنه-: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَعَثَرَتْ نَاقَتُهُ، فَصُرِعَا جَمِيعًا، فَاقْتَحَمَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: (عَلَيْكَ المَرْأَةَ)، فَقَلَبَ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِهِ، وَأَتَاهَا، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهَا، وَأَصْلَحَ لَهُمَا مَرْكَبَهُمَا، فَرَكِبَا. (رواه البخاري).

- قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لما مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بوادي عسفان حين حج، قال: يا أبا بكر، أي واد هذا؟ قال: واد عسفان. قال: لقد مرَّ به هود وصالح -عليهما السلام- على بكرات، خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق" (إسناده حسن).

- ويحكي سبرة بن معبد: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كنا بعسفان، قال سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: إن الله -عز وجل- قد أدخل عليكم في حجة عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت، وسعى بيْن الصفا والمروة؛ فقد حل إلا مَن معه هدي" (زاد المعاد).

- ودخل يوم الجمعة 2 ذي الحجة، فسار مِن عسفان ومر على وادي فاطمة ثم الجموم ثم بطن مر، وصلى الجمعة ظهرًا، وهذا كانت عادته في السفر -عليه الصلاة والسلام-.

- ودخل يوم السبت 3 ذي الحجة، فلما قرب النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن مكة نزل مكانًا يُقال له "سرف" -قرب التنعيم- عرض على أصحابه مَن لم يكن ساق الهدي أن يجعلها عمرة، ولم يعزم عليهم، ثم دخل على عائشة -رضي الله عنها- فإذا هي تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: والله لوددت أن لم أكن خرجت العام، قال: فمالك؟ قالت: سمعت قولك لأصحابك ومنعت العمرة، فقال: "لعلك نفست؟" -أي حضت- قالت: نعم. فجعل -صلى الله عليه وسلم- يسري عنها ويواسيها ويتلطف بمشاعرها، ويقول: "إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، وإنما أنت امرأة مِن بنات آدم، كتب عليك ما كتب عليهن فلا يضرك، افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، وكوني في حجك فعسى الله أن يرزقكيها" -أي العمرة-.

وهكذا كان -صلى الله عليه وسلم- خير الناس لأهله؛ برًّا بهم، ورعاية لمشاعرهم، واحتفالًا واهتمامًا بما يهمهم، وهكذا كانت أمنا عائشة -رضي الله عنها- مباركة في شأنها كله، فكان ما أصابها في هذا المكان تشريعًا ظاهرًا لنساء المسلمات إذا أصابهن ما أصابها، فصلوات الله وبركاته عليهم أهل البيت.

- وفي رواية عنها: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَلَيَالِي الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلاَ)، قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: (مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ؟) قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ، قَالَ: (وَمَا شَأْنُكِ؟) قُلْتُ: لاَ أُصَلِّي، قَالَ: (فَلاَ يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) (متفق عليه).

- النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذي الحليفة ترك الأمر لهم في الإهلال ثم عرض عليهم هنا أن تكون عمرة لمن لم يسق الهدى، وسيأتي أنه أمرهم عند المروة.

- ولما قرب مِن مكة بات قريبًا منها يستريح هناك، ويتهيأ لدخولها نهارًا، فبات عند بئر "ذي طوى" في المكان المعروف اليوم بجرول أو آبار الزاهر، فلما صلى الصبح قال لأصحابه: (مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) (رواه مسلم).

- ودخل يوم الأحد الموافق 4 ذي الحجة، فصلى الصبح -صلى الله عليه وسلم- على أكمة غليظة ودخل مكة ضحى، وقطع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطريق بيْن مكة والمدينة في ثمانية أيام وتسع ليالٍ، تعرض فيها لنصب الطريق، ووعثاء السفر.

- فلما أصبح -صلى الله عليه وسلم- اغتسل ثم دخل مكة مِن ثنية كداء، وهي التي تنزل اليوم على جسر الحجون، وذلك ضحوة يوم الأحد جهارًا نهارًا؛ ليراه الناس فيقتدوا به، فأناخ راحلته -صلى الله عليه وسلم- عند المسجد، ثم دخل مِن الباب الذي كان يدخل منه يوم كان بمكة "باب بني شيبة"، فدخل -صلى الله عليه وسلم- الحرم فإذا هو على ملة أبيه إبراهيم ليس حول الكعبة صنم، ولا يطوف بها عريان، ولم يحج إليها مشرك، وهذه قصة الثمانية أيام التي قضاها -صلى الله عليه وسلم- "في الطريق إلى مكة"، وما وقع فيها مِن أحداثٍ، ولا زال للحديث بقية -إن قدر الله اللقاء والبقاء-.

اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام.