إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 23 أغسطس 2017 - 1 ذو الحجة 1438هـ

حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (1) أولاً: بداية الحجة

كتبه/ رمضان النجدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فدخل العام الثامن مِن الهجرة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيه أتم الله عليه "فتح مكة"، وكان فتحًا مباركًا عظيمًا؛ دخل الناس بعده في دين الله أفواجًا، ومِن ثَمَّ سُمِّي العام الذي يليه -وهو التاسع مِن الهجرة- بعام الوفود؛ لكثرة الوفود التي دخلت الإسلام، وأعلنت الاستسلام لهذا الدين بيْن يدي النبي الأمين -صلى الله عليه وسلم-؛ فأتم الله على نبيه النعمة، ونزل فرض الحج عليه في هذا العام.

أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر على رأس ثلاثمائة مِن أصحابه عُرفوا بالمؤذنين، وأردفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لينادوا في الناس في موسم الحج للعام التاسع: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ" (رواه البخاري).

وكان هذا تمهيدًا لأعظم حجة عرفتها البشرية، وهي حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي قصتنا في هذه الحلقات تحت عنوان: "حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها".

ولقد استغرقت هذه الحجة مِن رسول الله ستًا وعشرين يومًا وليلة كاملة مِن 26 مِن شهر ذي القعدة إلى 21 مِن شهر ذي الحجة، ثمانية أيام ذهابًا مِن الأحد 26 إلى الأحد 4 مِن ذي الحجة، وعشرة أيام مكثها في مكة مِن الأحد 4 ذي الحجة إلى الثلاثاء 13مِن ذي الحجة، وثمانية أيام إيابًا إلى المدينة.

ويمكننا أن نقسِّم هذه الحجة إلى ست محطات رئيسية:

الأولى: بداية الحجة.

الثانية: في الطريق إلى مكة.

الثالثة: الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكة.

الرابعة: على صعيد عرفات.

الخامسة: يوم النحر يوم الحج الأكبر.

السادسة: أيام التشريق.

ومحطتنا في هذا المقال، المحطة الأولى: "بداية الحجة":

دخل العام العاشر مِن هجرة المصطفى، وأعلن -صلى الله عليه وسلم- أنه سيحج البيت الحرام هذا العام؛ ليأتم به مَن أراد أن يحج، فقدِم المدينة بشرٌ كثيرٌ، وفي رواية: "فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَأتِيَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا إِلَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ" (رواه مسلم).

فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عائشة -رضي الله عنها- أن تفتل له قلائد بُدْنه مِن صوف -كان عندها بالمدينة- قبْل أن يحرِم، مِن أجل أن يقلد به الهدي الذي سوف يسوقه للحج هذه السَّنة، وفي يوم الجمعة 24 مِن ذي القعدة خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس، ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله: (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا)، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ)، ثُمَّ قَالَ: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ) (رواه مسلم).

قال النووي -رحمه الله-: "هذا الرجل السائل هو (الأقرع بن حابس)، كذا جاء مبينًا في غير هذه الرواية".

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَجُلًا، قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: "لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (متفق عليه).

وقال الرجل أيضًا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لاَ تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ العَمَائِمَ، وَلاَ البَرَانِسَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلاَ الوَرْسُ، وَلاَ تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ) (متفق عليه).

قال ابن حجر -رحمه الله-: "‏لم أقف على اسمه في شيءٍ مِن الطرق".

وظهر أن ذلك كان بالمدينة, ووقع في حديث ابن عباس الآتي في أواخر الحج أنه -صلى الله عليه وسلم- خطب بذلك في عرفات، فيحمل على التعدد، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يشجعهم على الحج حتى المريض منهم، قالت عائشة -رضي الله عنها-: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: (أَرَدْتِ الْحَجَّ؟) قَالَتْ: وَاللهِ، مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا: (حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي اللهُمَّ، مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) (رواه مسلم).

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ، أَوْ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني).

ورغَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زوجاته جميعهم، وأقاربه وأصحابه -رضي الله عنهم- في الخروج للحج، حيث حج معه زوجاته كلهن -رضي الله عنهن-.

وفى يوم السبت 25 مِن شهر ذي القعدة صلى الظهر بالمدينة أربعًا، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لخمس بقين مِن ذي القعدة، واتفق في تلك السَّنة نقصان شهر ذي القعدة، فانسلخ يوم الأربعاء واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس، وخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن المدينة، ثم نزل بذي الحليفة، واستعمل -صلى الله عليه وسلم- على المدينة أميرًا عليها أبا دجانة "سماك بن خرشة الساعدي"، ويُقال: سباع بن عرفطة الغفاري، حيث ذهب إلى الحليفة راكبًا -وهي وادي العقيق-، فصلى بها العصر ركعتين؛ فدل على أنه جاء الحليفة نهارًا في وقت العصر، فصلى بها العصر قصرًا، وهي مِن المدينة (13 كيلو متر تقريبًا)، ثم صلى بها المغرب والعشاء ثم بات بها حتى أصبح، وتطيب وطاف على نسائه كلهن، واغتسل وصلى بأصحابه، وأخبرهم أنه جاءه الوحي مِن الليل بما يعتمده في الإحرام (أُتِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم- حين أصبح: (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي, فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ, وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ) (رواه البخاري).

وكذلك كان مِن رِفقه -صلى الله عليه وسلم- بالناس مكثه بذي الحليفة يومًا كاملًا، ليصلي فيه وينتظر مَن يريد اللحاق به!

وتهيأ النبي -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه غاية التهيؤ، حتى لتستشعر مِن تهيؤه عظيم العبادة التي سيدخلها، فيحتفل لها هذا الاحتفال، ويستقبلها هذا الاستقبال، مع الرفق واللين مع أهله وأصحابه.

وقد ساق الهدي، عددها ثلاثة وستون رأسًا مِن الإبل. وقيل: أقل، وقيل: أكثر كما يمر بنا يوم عرفة عندما تتسابق الإبل... وكان ناجية الخزاعي -رضي الله عنه- مسئولاً عن سَوق هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يسق الهدي أحدٌ مِن أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-، وركبتْ أمهات المؤمنين كل واحدة هودجها (الهودج: محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه, يوضع عن ظهر البعير يركب عليه النساء ليكون أستر لهن).

وبذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- محمد بن أبي بكر تحت الشجرة: فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: (اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي) (رواه مسلم). "وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحشي قطنًا، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم".

والإنسان يتعجب والله اليوم مِن مشهدٍ كهذا... امرأة وضعها اليوم أو الغد، ومع ذلك تخرج في هذه الرحلة الشاقة اليوم؛ فما بالك يومها، لكن الإيمان والحب لرسول الله، والرغبة في صحبته في حجه يفعل هذا وأكثر، وأختار أبو بكر الصديق أسم ولده باسم رسول الله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.

لقد تهيأ -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه غاية التهيؤ، حتى لتستشعر مِن تهيوئه عظيم العبادة التي سيدخلها؛ أشعر هديه وقلده، واغتسل -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه، ثم لبد رأسه، وقلد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبْل الإحرام بدنه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن فشق صفحة سنامها وسلت الدم عنها، وتطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن كفي عائشة -رضي الله عنها- بأطيب الطيب عندها، وتضمخ بالطيب فكان- صلى الله عليه وسلم- وهو الطيب المطيب ينفح طيبًا، ويرى وبيص الطيب في مفارقة ولحيته، وقد غسل رأسه بخطمي وأشنان ولبّده حتى يلمه ولا يتطاير أثناء السفر.

ثم لبس -صلى الله عليه وسلم- إحرامه -إزاره ورداءه-، وصلى الظهر ثم استقل راحلته على غايةٍ مِن الخشوع والخضوع، والتعظيم لرب العالمين، متواضعًا لله، معظمًا لشعائره.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: (مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ). قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ. (رواه مسلم).

وقد تغير هذا الأمر كما سيأتي -إن شاء الله-، ثم ركب القصواء وانطلق -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة، وتلك محطتنا وحلقتنا الثانية: "في الطريق إلى مكة"، في مقالةٍ مقبلةٍ بإذن الله -إن قدَّر الله لنا اللقاء والبقاء-.

فاللهم ارزقنا حج بيتك الحرام.